المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأيام الأخيرة للمشير عبد الحكيم عامر .


dr moustafa
01 - 12 - 2007, 23:15
http://photos1.blogger.com/blogger2/5486/2764/320/Amerarmy.jpg (http://photos1.blogger.com/blogger2/5486/2764/1600/Amerarmy.jpg)http://photos1.blogger.com/blogger2/5486/2764/320/Nasser%20Amer.jpg (http://photos1.blogger.com/blogger2/5486/2764/1600/Nasser%20Amer.jpg)










المرايا الزائفة تصنع دائماً صورة مشوهة: كذبة قد يصدقها الناس.. ولو لبعض الوقت

هكذا كانت الحال بعد صدمة الحقيقة: هزيمة قاسية وموجعة في الخامس من يونيو حزيران عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين

سماها حملة المباخر نكسة تخفيفاً لحجم الهزيمة.. وصورها البعض على أنها حرب.. في حين أن الحرب تعني قتالاً بين الطرفين.. وهو ما لم يحدث وإنما كانت ضربات متلاحقة من طرف واحد حسم الأمر في غضون ساعات قلائل

وربما كانت الضغوط الشديدة التي حاصرت المشير عبد الحكيم عامر عقب تلك الهزيمة هي السبب في زيادة مساحة الغموض حول ظروف وفاته..وهل ما حدث كان انتحاراً أم جريمة مدبرة..كما ذهب إليه بعض أفراد أسرته

وبعد مرور نحو ثلاثة عقود.. فإن ملابسات الوفاة التي وقعت في الرابع عشر من سبتمبر من عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين بفيللا صغيرة بإحدي ضواحي الجيزة ما زالت تثير بين الحين والآخر الزوابع بل والأعاصير.. التي وصل بعضها إلى قاعات المحاكم

ويرى الكاتب الصحفي عبد الله إمام في كتابه "ناصر وعامر: الصداقة.. الهزيمة والانتحار" أنه ليس غريباً أن يفكر عامر في الانتحار.. ويقدم عليه..وهو الذي كان من قبل يفكر في الانتحار.بل وحاوله في منزل جمال عبد الناصر..على مرأى من زملائه أعضاء مجلس قيادة الثورة بل أيضاً وعقب هزيمة يونيو مباشرة على مرأى من شمس بدران"
http://photos1.blogger.com/blogger2/5486/2764/320/Tharwat.jpg (http://photos1.blogger.com/blogger2/5486/2764/1600/Tharwat.jpg)
ويقول وزير الثقافة سابقاً الدكتور ثروت عكاشة في مذكراته إنه في ساعة متأخرة من ليلة الخميس الثامن يونيو - في العام إياه- اتصل به هاتفياً مدير المخابرات العامة صلاح نصر لإبلاغه أن المشير عامر قد عقد العزم على الانتحار.. ورجاه - لما يعرفه عما كان بين د.عكاشة وبين المشير من ود قديم– أن يسرع إليه ليثنيه عما اعتزمه

وحين زاره د.عكاشة اكتشف أن المشير عامر منهار تماماً حتى أنه يقول في وصف حالته: "كان عبد الحكيم عامر جالساً يترقب قدره في صمتٍ رهيب..ورأيت في عينيه ما هو عازم عليه". ثم يعود فيقول: "على أني رأيت عينيه الجاحظتين تكادان تفصحان عن تصميمه على أن يترك الحياة"
في مذكراته "سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر".. يقول سامي شرف مدير مكتب الرئيس عبد الناصر لشؤون المعلومات إن العلاقة بين جمال عبدالناصر والمشير عبد الحكيم عامر فسدت علي نحو درامي وسريع عقب فجيعة هزيمة يونيو المدوية.. التي أصدر عبد الناصر بعدها قراراً بتنحية عبد الحكيم عامر عن قيادة الجيش وتعيينه نائبا للرئيس..وهو القرار الذي رفضه المشير بشدة.. وحزم حقائبه واتجه إلى بلدته إسطال -مركز سمالوط بمحافظة المنيا - ليقضي بها بعض الوقت


غير أن عامر سرعان ما عاد إلى القاهرة بعد أيام وتحديداً في أول يوليو تموز.. واستقر في منزله بالجيزة. وبدا http://photos1.blogger.com/blogger2/5486/2764/320/AMER.jpg (http://photos1.blogger.com/blogger2/5486/2764/1600/AMER.jpg)واضحاً أن نية عبد الناصر كانت قد استقرت حينذاك ودون تراجع على تنحية عامر ومعه شمس بدران.. وإن واصل في الوقت ذاته محاولات احتواء الأزمة ومنع تفاقمها

كان جوهر القضية حسبما يشير سامي شرف في مذكراته هو أن المشير "كان ينظر إلى الجيش على أنه إقطاعية تابعة له ولا يريد التنازل عنها تحت أية ظروف.. بل إنه كان يرى أيضاً في استرداده سلطاته في الجيش بمثابة رد اعتبار له في ضوء مسؤوليته الكبرى عن وقوع الهزيمة العسكرية "
حاول شمس بدران حاول التقدم بحلول وسط.. لكن عبدالناصر أصر على عدم عودة المشير عامر إلى القوات المسلحة مرة أخرى.. في حين أقدم المشير على بعض التصرفات التي زادت الأزمة اشتعالاً.. ربما كان من أهمها توزيعه نص استقالة زعم أنه قدمها للرئيس عبدالناصر بعد النكسة.. مع أنها كانت هي الاستقالة نفسها التي سبق أن تقدم بها عقب أزمة مجلس الرئاسة عام ألف وتسعمئة واثنين وستين

وكانت شقيقة نفيسة عبدالحميد حواس - الشهيرة ببرلنتي عبدالحميد.. زوجة المشير عامر بعقدٍ عرفي- وتدعى زهرة هي التي أعادت طبع هذه الاستقالة في إحدى قري مركز دكرنس بمحافظة الدقهلية.. وتولت توزيعها هي وزوجها.. بهدف صنع رأي عام مؤيد للمشير..لكن جهاز المباحث العامة ضبطهما مع الآلة الكاتبة والمطبعة

كان الغالبية العظمى من رجال الثورة عقب نكسة يونيو مقتنعين بأن عبد الناصر لن يتراجع عن إبعاد المشير عن القوات المسلحة كحد أدنى..فيما كان البعض الآخر يرى في قبول ذلك إقراراً بإدانة عامر وتثبيت أنه المسؤول عن الهزيمة العسكرية.. لكن عباس رضوان -وزير الداخلية سابقاً- نجح في إقناع المشير عامر بالتوجه لمقابلة عبد الناصر في منشية البكري. وقد كان ذلك اللقاء هو نقطة البداية للعملية "جونسون" التي وضعها الرئيس عبد الناصر لمحاكمة المشير عامر أمام مجلس قيادة الثورة.. وإعلانه بقرار عزله من قيادة الجيش

في الساعة السادسة والنصف من يوم الخامس والعشرين من أغسطس آب.. بدأ وصول أعضاء مجلس قيادة الثورة.. وبعد نحو خمس عشرة دقيقة أي في السابعة إلا ربعاً تقريباً وصل المشير عبدالحكيم عامر. وقد نفذ وزير الداخلية شعراوي جمعة وسامي شرف مهمتهما وفق الخطة الموضوعة.. وكانت تتمثل في اعتقال المرافقين للمشير عامر ووضع سيارته تحت الحراسة بعد تفتيشها في جراج منشية البكري

ووفق ما كان وارداً في الخطة فقد دخل إلى منزل عبد الناصر في الساعة السابعة تماماً كل من: وزير الحربية أمين هويدي ومحمد المصري من مكتب سامي شرف.. وأحد الضباط الأحرار والعميد صلاح شهيب من الياوران.. وأحمد شهيب من الضباط الأحرار وعضو مجلس الأمة عن دائرة مصر الجديدة. وكان قائد الحرس الجمهوري العميد محمد الليثي ناصف يمر باستمرار حول المنطقة وداخل المنزل
في تلك الجلسة.. اتهم عبد الناصر صديق عمره عامر بالتآمر وسرد سلسلة من الوقائع قبل أن يستطرد قائلاً:
" أنا في الحقيقة مش عارف ليه أنت بتربط نفسك بالقوات المسلحة وبقيادة الجيش. هل إحنا لما قمنا بالثورة كان هدفنا أن أتولى أنا رئاسة البلد وأنت تتولى قيادة الجيش؟.. عايز أفكركم كلكم وأنت بالذات مين اللي رشحك.. واقترح وأصر على تعيينك قائداً عاماً.. مش أنا اللي كنت وراء هذا التعيين؟.. وإذا كان الأمر كذلك طيب ألم يكن من الطبيعي بعد الانفصال وما حدث وموقف الجيش ومكتبك هناك ودورك أن تحاسب على ما حدث؟ .. حتى بعد ذلك ألم تكن هناك أكثر من مؤامرة ضد النظام ضبطت وهي من صنع رجال يعملون في مكتبك يا عبدالحكيم؟"
لم يتمالك المشير أعصابه عند هذا الحد من اللقاء.. فانفعل وبدأ يفقد أعصابه.. فقال له عبد الناصر: "الأمور واضحة.. أنت راجل متآمر وعليك أن تقدر الموقف الصعب اللي بنمر فيه وعليك أن تلزم بيتك من الليلة"
وبالطبع رفض عبدالحكيم عامر بشدة هذا القرار.. وهو ما دفع بعض الحاضرين - ومن بينهم أنور السادات- إلى محاولة إقناع المشير بقبول هذا القرار.. إلا أنه قال لهم في غضب:" أنتم بتحددوا إقامتي وبتحطوني تحت التحفظ، قطع لسانك يا..."
في تلك الليلة..سب عبد الحكيم عامر أنور السادات ووصفه بما يعف اللسان عن ذكره
حاول الحاضرون إقناع المشير في تلك الليلة بأن هذا القرار يحقق مصلحة البلاد العليا.. غير أنه كان غاضباً للغاية وأصم أذنيه تماماً.. وبدا أنه يعيد النظر في كل شيء متجهاً بفكره وبصره إلى بيت الجيزة والاستعدادات والرجال هناك - وقد حضر عدد من أقارب عامر بناء على طلبه للإقامة معه في منزله- والمجموعة التي كانت معترضة على إتمام هذا اللقاء.. دون أن يدري شيئاً بأمر الاتصالات بين سامي شرف وبين كل من القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول محمد فوزي ومدير المباحث العامة اللواء حسن طلعت ومدير المخابرات الحربية اللواء محمد أحمد صادق

ومع تصاعد حدة التوتر في الجلسة التي حاكم فيها عبد الناصر المشير أمام مجلس قيادة الثورة.. شن عامر هجوماً على عبد الناصر إلى أن قال الرئيس للمجتمعين إنه سيتركهم لبعض الوقت حتى تهدأ الأمور.. وتنقل جريدة "الأهرام ويكلي" – عدد الخامس من يونيو حزيران عام ألف وتسعمئة وسبعة وتسعين- عن أمين هويدي قوله إنه عندما دخل الغرفة وجد أنور السادات ينتحب وزكريا محي الدين وحسين الشافعي صامتين. بعدها خرج عامر من الصالون متوجهاً إلى دورة المياه.. وقابل أمين هويدي على الباب فقال له: أهلاً بوزير حربيتنا.. الله.. الله.. ده أنتم مجهزين كل حاجة والحكاية محبوكة على الآخر"
دخل عبد الحكيم عامر إلى دورة المياه.. ثم خرج بعد قليل حاملاً ورقة سيلوفان فارغة وكوباً في يده رماها علي طول امتداد ذراعه قائلاً: "اطلعوا بلغوا الرئيس أن عبدالحكيم خد سم وانتحر".. ثم دخل إلى الصالون بهدوء ليجلس على نفس الكنبة التي كان يجلس عليها وهو يبتسم في هدوء وكأنه لم يفعل شيئاً
ويقول أمين هويدي إنه صعد مهرولاً إلى الدور العلوي ليبلغ عبد الناصر الذي استقبله على رأس السلم وهو يرتدي البيجامة و"الشبشب".. وقال له: "أنا سمعت ما قيل واللي بيحصل ده كله تمثيل".. وأضاف الرئيس قائلاً: " عامر جبان..ولو كانت لديه شجاعة الإقدام على الانتحار لما كنا أصلاً نواجه هذا الوضع المرتبك"

استدعي الدكتور الصاوي حبيب طبيب الرئيس الخاص وكان موجوداً في منشية البكري فدخل على عجل وحاول أن يسعف المشير الذي رفض أن يستجيب له مما اضطر معه أن يمسك حسين الشافعي بالمشير بشدة حتى يتمكن الطبيب من حقنه وحاول أن يضع إصبعه في فمه ولكن من دون جدوى

في هذه الأثناء..كانت القوة التي تم تشكيلها بعلم الرئيس عبد الناصر قد نجحت بالفعل في حصار منزل المشير بالجيزة.. ثم أنهت تلك القوة -التي قادها الفريق أول محمد فوزي- الاعتصام بعد إلقاء القبض على من كان متحصناً داخله - وفي مقدمتهم شمس بدران وعباس رضوان- كما تم تفريغ المنزل من كل الأسلحة والذخائر.. لتصبح الفيلا خالية إلا من عائلة المشير ..حيث حددت إقامته هناك بين أهله وأولاده فجر يوم السادس والعشرين من أغسطس تحت حراسة أفراد من القوات المسلحة المصرية

وبعد أن استقر المشير عامر في المنزل تم قطع جميع الخطوط الهاتفية ما عدا خطاً واحداً فقط رؤي الإبقاء عليه
حاول عامر أن يتصل بعبد الناصر أكثر من مرة.. لكنه لم يستجب له فأرسل إليه ورقة تسلمها محمد أحمد السكرتير الخاص للرئيس.. يطلب فيها رفع الإقامة الجبرية عنه وإلا فإن الرئيس سيندم. ومرة أخرى لم يستجب عبدالناصر للتهديد

غير أنه وفي الثالث عشر من سبتمبر أيلول ومع تواصل نشاط واتصالات المشير عامر هاتفياً ومعه بعض من أقاربه وإخوته.. بهدف تأليب الرأي العام ضد النظام بعد وضعه تحت الإقامة الجبرية.. أصدر عبد الناصر قراراً بنقل عامر إلى مكان أمين منعزل يتعذر معه إجراء مثل هذه الاتصالات والنشاط. وكلف الفريق أول محمد فوزي مرة ثانية بتنفيذ القرار فتوجه وبصحبته الفريق عبدالمنعم رياض رئيس الأركان واللواء سعد زغلول عبدالكريم مدير الشرطة العسكرية وبعض الضباط من الحرس الجمهوري إلى منزل المشير.. وكان الضابط المسؤول عن الحراسة في ذلك اليوم العميد محمد سعيد الماحي الذي شارك في تنفيذ المهمة

دخل الفريق عبدالمنعم رياض أولاً ودعا المشير عامر لتنفيذ أمر رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة فأبى تنفيذه.. وتردد في البداية.. ولكن الفريق رياض تلطف معه ونصحه بمرافقته. ويقول سامي شرف في مذكراته: "في تلك اللحظة تناول عبدالحكيم عامر شيئاً وضعه في فمه وأخذ يمضغه.. مما لفت أنظار الكل والعائلة وصرخت إحدى كريماته بأن أباها تناول سماً
ثم دخل المشير في مرحلة فقدان الاتزان فاصطحبه الفريق عبدالمنعم رياض بسرعة إلى الخارج.. وحاول هو والفريق أول محمد فوزي أن يضعوه في سيارة الإسعاف التي كانت مجهزة كإجراء احتياطي.. إلا أن عامر رفض ركوبها فما كان منهما إلا أن وضعاه في سيارتهما وتوجها به إلى مستشفى المعادي للقوات المسلحة التي كانت أخطرت على عجلٍ لعلاج حالة طارئة
في الطريق إلى المستشفى طلب الفريق رياض من المشير إخراج ما في فمه.. وبعد تمنع اضطر لطرد باقي ما كان في فمه وكان عبارة عن مادة تشبه اللادن الأصفر في ورق سوليفان.. فتلقفه ضابط الحرس المرافق الرائد عصمت محمد مصطفى.. وكان معه النقيب محمد نبيل إبراهيم والنقيب عبدالرؤوف حتاتة من الحرس الجمهوري
وضع الرائد عصمت ما تلقفه في منديل ورق حيث سلمه للمعامل فور وصولهم إلى المستشفى. وهناك أجريت الإسعافات السريعة وعمل الأطباء: اللواء عبدالحميد مرتجي والعميد محمود عبدالرازق والعميد عبد المنعم القللي والمقدم عبد المنعم عثمان والرائد أحمد محمود عبدالله والرائد حسن عبد الحي.. على محاولة غسيل لمعدة المشير.. ولما رفض أعطي محلولاً ليتقيأ وتم ذلك فعلاً. وعندما قال له اللواء عبدالحميد مرتجي قائد المستشفى بعد أن أفرغ عامر ما في جوفه إنه لم يعد هناك خطر الآن على حياته قال المشير: "ده أسوأ خبر سمعته"
ويقول سامي شرف: "بعد فترة قرر الأطباء أن الحالة أصبحت مستقرة وطبيعية ومطمئنة.. وبناء على ذلك قرر الفريق فوزي استئناف المهمة.. واتجه بالركب إلى استراحة المريوطية. وفي الساعة السابعة مساء ذلك اليوم أظهرت المعامل نتيجة تحليل ما لفظه وتقيأه المشير عامر وأبلغ المقدم طبيب عبدالمنعم عثمان أن التحليل أظهر آثاراً لمادة الأفيون
وفي استراحة المريوطية التي سبق اختيارها كمقر لإقامة المشير عامر كان في استقبالهم هناك قرابة الساعة الخامسة والنصف من بعد الظهر.. العميد محمد الليثي ناصف ومجموعة من ضباط الحرس الجمهوري والنقيب طبيب مصطفى بيومي حسنين وبعض أفراد الخدمة والإعاشة والحراسة ولم يطلب المشير شيئاً سوى عصير الجوافة
وقد مكث الفريق أول محمد فوزي والفريق عبدالمنعم رياض مع المشير نحو الساعة دار فيها حوار حول الموقف العسكري.. وقال لهم المشير إن عليهم أن يطلبوا تعويض السلاح من الاتحاد السوفييتي الذي هاجمه واعتبره أنه خذل مصر.. وقال لهما: "عندكم الرجالة كتير في البلد.. وكل ما عليكم هو استئناف القتال". ثم قال: "يا فوزي ويا رياض... تبلغوا الرئيس أنه إذا لم ينه هذا الوضع في أربع وعشرين ساعة فإنه سيتحمل مسؤولية ما سيحدث"
ويقول سامي شرف :" أبلغ الفريق فوزي هذه الرسالة للرئيس.. بعدما غادر هو والفريق عبدالمنعم رياض الاستراحة. وكان المشير قد طلب ماكينة حلاقة وبعض الكتب التي وصلته في نفس الليلة"
في يوم الرابع عشر من سبتمبر أيلول.. لم يتناول المشير أي طعام إلا بعض السوائل. وفي الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم تم تغيير الورديات الطبية والحراسات المناوبة.. فاستلم الرائد طبيب إبراهيم البطاطا نوبته.. وشرح له زميله حالة المشير الصحية وتطوراتها وطمأنه بأن الحالة تشير إلى التحسن كما ذكر له الأدوية التي أعطاها له.. لكن المشير لم يتناول طعام الغداء نظرا لاستمرار القيء..وقرر الطبيب المعالج إتمام تغذيته بمحلول الجلوكوز عن طريق الوريد

ويقول سامي شرف: "قرابة الساعة الرابعة من بعد الظهر أبدى المشير للدكتور البطاطا شكوى من ألم في أسنانه فأعطاه حقنة نوفالجين. وبعد ذلك دخل المشير الحمام وتقيأ ثم طلب بعض الماء ليغتسل في غرفته فحمل له أحد السفرجية -منصورأحمد- الماء فاغتسل ثم رقد على السرير"
"وفي الساعة الخامسة مساءً دخل الطبيب حجرة المشير فوجده نائماً وكان نبضه وضغط دمه طبيعيين.. غير أنه وبعد السادسة بقليل وأثناء توجه الطبيب مرة ثانية إلى غرفة نوم المشير سمع استغاثة السفرجي منصور الذي نادى عليه ليسرع إلى غرفة المشير حيث قرر أنه سمع صوت "شخير" عالٍ صادر عن المشير. ولما دخل الطبيب وجده راقداً على الفراش في حالة غيبوبة ونبضه ضعيف.. فسارع بإعطائه حقنة "كورامين" و"أمينوفلين" كما أجرى له تنفساً صناعياً من أنبوبة الأوكسجين. ولم يجد ذلك كله حيث تحققت وفاة المشير عبدالحكيم عامر قرابة الساعة السادسة وأربعين دقيقة"
http://bp0.blogger.com/_RtDvQmFFm4A/Rs05_NQdbtI/AAAAAAAAAlE/KAwJCg71mpk/s320/Amer+suicide.jpg

وحسب تأكيدات الطبيب المعالج فإن المشير عامر لم ينطق بأي عبارات في الدقائق التي سبقت وفاته.. وكل ما تكلم به مع الطبيب أثناء تعليق أنبوبة الجلوكوز هو أنه قال له: "مفيش فايدة من كل اللي بتعمله ده"
ويقول سامي شرف :" في الساعة السادسة وخمس وأربعين دقيقة أبلغني العميد محمد الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري بنبأ وفاة المشير عبدالحكيم عامر فقمت بإبلاغ الخبر للرئيس بالإسكندرية في الحال وكان الخبر صاعقاً بالنسبة لنا جميعاً.. أما بالنسبة للرئيس فقد وضع سماعة التليفون بمجرد سماعه الخبر"

أمر الرئيس عبد الناصر بإبلاغ وزير العدل والنائب العام وكبير الأطباء الشرعيين فوراً لاتخاذ الإجراءات القانونية والتحقيق
بدأت التحقيقات في واقعة انتحار المشير عامر تحت إشراف وزير العدل عصام الدين حسونة وانقسم التحقيق إلى قسمين:
الأول: تحقيق الطب الشرعي وقد أشرف عليه الدكتور عبدالغني سليم البشري وكيل وزارة العدل لشؤون الطب الشرعي ويعاونه الدكتور يحيي شريف أستاذ الطب الشرعي بجامعة عين شمس والدكتور علي عبدالنبي أستاذ الطب الشرعي بجامعة القاهرة والدكتور كمال السيد مصطفى مساعد كبير الأطباء الشرعيين
والثاني: يتولاه النائب العام المستشار محمد عبدالسلام يعاونه المحامي العام وعدد من رجال النيابة العامة ويتولى التحقيق في كل ظروف الحادث ومع كل الذين كان لهم أدنى علاقة به بمن فيهم أسرة المشير وأطقم الحراسة وهيئة مستشفى القوات المسلحة بالمعادي وكل من كان في استراحة المريوطية

وقد أصدرت النيابة العامة أول بيان لها يوم السادس عشر من سبتمبر أيلول عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين.. جاء فيه أن التحقيقات بدأت بسؤال كل من الفريق فوزي والفريق عبدالمنعم رياض وكل من كان له صلة في هذه المأمورية منذ أن بدأت وكذا هيئة مستشفى المعادي، إلخ
وجاء في البيان بعد ذلك ما يلي بالنص:"... كما ثبت اليوم بصفة قاطعة من التحليل الضوئي والكيماوي الذي أجرته مصلحة الطب الشرعي أن المادة التي وجدت مخفاة تحت الشريط اللاصق وزنها مئة وخمسون ملليغراماً هي مادة "الأكونيتين"..وهي عقار شديد السمية سريع الأثر..يكفي نحو ملليغرام أو اثنين منه لإحداث الوفاة في مثل الظروف والحالة التي شوهد عليها الجثمان"

لا أحد يقطع بأن هذه هي الرواية - المستقاة من شهادات عدد كبير ممن عاصروا الأحداث- هي الرواية الأكيدة.. لكنها قد تبدو أكثر منطقية من غيرها. وبغض النظر عن تفاصيل الدقائق الأخيرة في حياة المشير عامر والسيناريوهات المتناقضة حول ما جرى فيها.. فالثابت أن حالة المشير كانت أقرب ما يكون إلى الانهيار النفسي والعصبي
انهيار يعد ثمرةً مرةً لواقعٍ ضاغط.. ومأساة أمة..وخلافات شخصية..وأزمة ثقة.. أدت في مجملها إلى تلك النهاية الدرامية للرجل الذي شارك في صنع ملامح هزيمة يونيو لأنه ظن مثل كثيرين غيره أن مصر إقطاعية قبل أن تكون وطناً للمصريين