المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحوكمة.. المهمة الصعبة في قطاع الأعمال العام


dr moustafa
19 - 07 - 2008, 17:06
الحوكمة.. المهمة الصعبة في قطاع الأعمال العام
ثقافة السرية ورفض الرقابة وقانون الجهاز المركزي للمحاسبات أهم المعوقات
تغيير الهياكل يساهم في نمو الشركات وقدرتها علي المنافسة




الوفد : يبدو الزام شركات قطاع الأعمال العام بقواعد الافصاح والشفافية والادارة الرشيدة والتي اتفق علي تسميتها »بالحوكمة« مهمة صعبة، قد تستغرق وقتا ولا يمكن وصفها بالمستحيلة خاصة بعد ان اتخذت اول الاجراءات الهادفة لدفعها، بصدور دليل مبادئ حوكمة شركات قطاع الاعمال العام في مصر كأول دليل معني بهذا القطاع في الشرق الأوسط.. وتبع ذلك اجراء عدد غير قليل من الدورات التدريبية للعاملين بشركات قطاع الاعمال العام لتعريفهم بأهمية الحوكمة وفوائدها علي القطاع..
ورغم ذلك فقد اظهر التعرف الاولي علي هذه المباديء وخصائصها ومحدداتها ان هناك عدة مشكلات تقف عائقا امام التطبيق لعل اهمها ثقافة السرية التي تحكم منذ النشأة قطاع الاعمال العام المملوك للدولة وحالة الاحساس باهمية المال العام وانه ملك للجميع فلا يوجد من يحاسب عليه باعتباره »مال سايب« ثم القواعد المنظمة للرقابة علي هذا القطاع والتي تمنع قانونا من تعيين مراجعين خارجيين للتأكد من قوائم الشركات واوضاعها المالية والادارية في ظل وجود الجهاز المركزي للمحاسبات وكذلك الدور الاجتماعي لقطاع الاعمال العام الذي جعله مخزنا للعمالة غير المنجزة والتي يطلق عليها بطالة مقنعة لا فائدة مرجوة منها ولا اثر إلا آثار السلبية بسبب الاجور المفروضة علي شركات خاسرة.
اذا كانت قواعد الحوكمة تعتمد بالدرجة الاولي علي حسن الادارة والاوضاع وتحقيق رغبة الشركات في التوسع والمنافسة والقدرة علي الحصول علي الائتمان، فلا يمكن ان ننسي ان شركات قطاع الاعمال العام، كانت تعاني ولسنوات من سوء الادارة والفساد والخسائر المتراكمة والديون التي وصلت في وقت من الاوقات إلي نحو 33 مليار جنيه، ادت إلي توقف البنوك عن اقراضها.. ورغم التحسن النسبي فيما يتعلق بالقروض وسداد نسبة لا بأس بها فضلا عن تحول عدد الشركات من الخسارة إلي الربح إلا ان الثقافة السائدة في قطاع الاعمال العام ترفض التغيير والرقابة لدرجة ان بعض رؤساء مجالس الادارات استمروا في مواقعهم لأكثر من عشر سنوات.
كما ان هناك عدة حالات صارخة لازدواج التمثيل داخل مجالس ادارات الشركات التابعة كنوع من تبادل المواقع واستقرار الاسماء بما يعني عدم وجود وجوه جديدة وبقاء الدماء كما هي بدون ضخ دماء مختلفة لشرايين الشركات.
رئيس احدي الشركات الكبري في قطاع الاعمال العام قال لي: إن المانع لتطبيق قواعد الحوكمة بكل تفاصيلها داخل الشركة هو ان القطاع العام اصبح »مقدس« لا يمكن المساس به رغم ان العالم يتغير من حولنا.
الرجل اضاف ان أسوأ ما في »شركته« رغم انها شركة رابحة هو »الدور الاجتماعي« الذي اضاف إلي هيكل الشركة عمالة لا حاجة لهم بها ولا يمكن رفضها أو الاستغناء عنها.
وأضاف ان وجود اسهم للشركة في البورصة يساعدهم علي تطبيق الحوكمة مشيرا إلي ان الشركة لو كانت قطاعا خاصا لحدث فرق اكبر فيها واستطاعت ان تحقق اضعاف ارباحها.
حديث رئيس الشركة يتفق مع الرؤية العامة لقواعد الحوكمة التي يعني تطبيقها زيادة فرصة الشركات في التوسع والربح اذا كانت الادارة منفصلة عن الملكية ولكن يبدو ان ذلك صعب في ظل ملكية الدولة وان كان غير مستحيل غير ان هناك مشكلات في التطبيق وعقبات يتم العمل غالبا علي اجتيازها خاصة ان دليل القواعد الخاص بقطاع الاعمال العام مضي علي صدوره نحو عامين ومازال اثره علي واضح علي الشركات، فلماذا؟
تري الدكتورة عنايات النجار خبير التمويل والاستثمار أن الحوكمة يجب تطبيقها ليس فقط علي شركات قطاعي الاعمال العام والخاص ولكن علي جميع المؤسسات لانها تفي ببساطة تطبيق العدالة فهي مجموعة من النظم والاجراءات التي تحقق توازن المصالح مع جميع المتعاملين مع المؤسسة بحيث لا تطغي مصلحة علي اخري ويجب ان يتوافر ذلك في الشركات الصغيرة اذا كانت ترغب في التمويل.
أما ما يتعلق بالتطبيق علي شركات قطاع الاعمال العام فهناك مشكلة كبيرة في اننا نعاني من ثقافة السرية التي تربي الجميع عليها،. فنحن لا نتقبل بسهولة الافصاح في المعاملات ولكن هذا لا يصلح اذا ارادت شركة ان توسع في قاعدة الملكية لها او تطرح سندات لابد ان تطرح كل ما لديها من معلومات علي الجميع، وذلك يتفق مع العولمة التي نعيشها فاصبح كل شيء مفتوحا، ومن يريد مثلا الحصول علي تمويل بنكي لابد ان يسبق ذلك تطبيق الحوكمة لان من يدفع اموالا يريد ان يعرف اين طريقها وهذه إحدى مشكلات شركات قطاع الاعمال العام التي اذا ارادت الاقتراض من البنوك يعني ان تطبق الحوكمة وإلا فضلت البنوك منح الائتمان لغيرها.
وتشير الدكتورة عنايات النجار ان هناك بعض التحديات التي تواجه تطبيق الحوكمة في شركات قطاع الاعمال العام، فهناك اشتراط تعيين اعضاء غير تنفيذيين اكثر من التنفيذيين كذلك الاهتمام بالعضو المستقل وهم قلة الآن، لان المطلوب ان يكون هذا العضو حياديا وذا خبرة فنجد اننا نعاني نقصا في اعضاء مجالس الادارة المستقلين.
وتضيف ان اول طريق للقضاء علي الفساد في شركات قطاع الاعمال العام هي الادارة الجيدة، فالادارة هي التي تفرق بين الشركة الجيدة وغيرها، وطالما عاني قطاع الاعمال العام من الادارات الفاسدة المكلفة والتي اخذت قروضا من البنوك وتركت الشركات تعاني ظروفا مادية سيئة وهذا كله علاجه بالادارة الجيدة المطبقة للحوكمة وحسن الادارة الرشيدة.
وقد يري البعض ان في التطبيق تكلفة وهذا صحيح ولكنها تكلفة ذات عائد علي المدي الطويل لان فيها تحقيقا لمصالح الشركة ايضا وتنعكس علي ارباحها وهناك عدة نماذج في هذا الشأن ساهم تطبيق الحوكمة فيها في تعظيم عوائد الشركة.
وتؤكد الدكتورة يمن الحماقي رئيس قسم الاقتصاد ـ كلية التجارة جامعة عين شمس وعضو مجلس الشوري ان هناك عدة معوقات تقف في طريق تطبيق الحوكمة في قطاع الاعمال العام اهمها البطالة المقنعة حيث لا يوجد توصيف وظيفي محدود وواضح لعدد كبير من العاملين بالقطاع وهذا يتعارض مع الحوكمة التي تقوم اساسا علي توزيع الادوار وتحديد المسئوليات وإلا ضاعت في الطريق مما يؤثر علي كفاءة العمل وفعاليته مما يقف عائقا امام إعادة الهيكلة الادارية والعلاقات عبر الهيكل الاداري.
وتضيف الدكتورة يمن الحماقي: اننا للاسف نسمع كثيرا عن الاصلاح الاداري وننظر فلا نجد سوي الكلام عن خطة يتبناها الجهاز المركزي للتنظيم والادارة ولا نجد لها ملامح واضحة والمطلوب هو خطة متكاملة تتبناها كافة الاطراف المعنية لوضع تصور ينتهي بنا بعد عدة سنوات إلي نتائج معينة في تطوير القطاع الاداري.
وتؤكد الدكتورة يمن ان كثرة الحديث عن تطبيق الحوكمة في شركات قطاع الاعمال العام دون الكشف عن خطة واضحة المعالم لها وتطوير الجهاز الاداري في الشركات لن يجدي، فالافضل ان يتم اعداد الجهاز الاداري في الشركات لكي يكون قادرا علي تحمل اعباء ومسئوليات التطبيق في ظل حديثنا عن زيادة الاستثمارات حتي لا يتحول الامر إلي كلام نظري وفجوة بين الواقع والمأمول.
وتضيف ان اول طريق النجاح الفكرة هو الاعتراف بالحاجة إليها ونقول: ان هذا الاعتراف هو بداية الاصلاح في الشركات. ويشير طارق يوسف المحاسب القانوني وخبير حوكمة الشركات ان طرح فكرة تطبيق الحوكمة علي شركات قطاع الاعمال العام كشفت من خلال الدورات التدريبية للعاملين هناك عن وجود مقاومة للامر لاسيما من كبار السن الذين تربوا في الشركات لمدة طويلة ويعتقدون انه لا فائدة من محاولة اصلاح احوال هذه الشركات. البعض الاخر يتخوف من ان تؤدي مباديء الحوكمة إلي المزيد من الرقابة في الشركات والمشكلة ان هذه الشركات تخضع لرقابة جهات عديدة تراجع اوضاعها ولا داعي للمزيد من الرقابة خاصة ان الجهاز المركزي للمحاسبات شبه مقيم في هذه الشركات.
ويضيف ان تطبيق الحوكمة يعني تعميق دور الرقابة. ويضيف طارق يوسف ان هناك في القواعد بعض الامور التي لا يمكن تطبيقها فمثلا القواعد تؤكد ان من حق مجلس الادارة ان يقوم بتعيين مراجع خارجي في حين ان القانون لايسمح بذلك طالما ان هناك الجهاز المركزي للمحاسبات.
وفيما يتعلق بعائق التكلفة الذي قد يحد من قدرة شركات قطاع الاعمال العام علي تطبيق الحوكمة، يؤكد طارق يوسف ان التكلفة تكون في البداية فقط ثم يتحول الامر إلي ميزة خاصة ان شركات قطاع الاعمال العام لن تستطيع المنافسة في سوق الا بتطبيق الحوكمة لان مآلها إلي القطاع الخاص.
كما ان طرح اي اسهم في البورصة يتطلب الحوكمة خاصة ان قواعد القيد في البورصة بها 35 قاعدة منها 21 قاعدة خاصة بالإفصاح.. هذا فضلا عما تحققه الحوكمة من ميزان للشركات فهي تعني ببساطة وجود التزام في العمل.