المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خليل تقي الدين القاص والروائي شاهد عصر


dr moustafa
05 - 09 - 2008, 16:29
أعماله الكاملة صدرت في مجلدين بعد 20 عاماً على غيابه... خليل تقي الدين القاص والروائي شاهد عصر

نازك سابا يارد



عاد الكاتب اللبناني خليل تقي الدين الى الواجهة الأدبية بعد صدور أعماله الكاملة عن مؤسسة نوفل في جزءين. وضم الجزء الأول تقديماً بعنوان «جيل همزة الوصل» بقلم الكاتب خليل رامز سركيس ومقدمة بعنوان «خليل تقي الدين، وارث السيفين» بقلم المحامي سليمان تقي الدين. محتويات الجزء الأول هي: «خواطر ساذج»، «عشر قصص من صميم الحياة»، «تمارا والبدايات»، «مذكرات سفير». أما الجزء الثاني من الأعمال فيضم مجموعته القصصية «الإعدام» وروايتيه «العائد» و «كارن وحسن». والكاتب الذي اعتبر «شيخ» القصة اللبنانية ولد عام 1906 في بلدة بعقلين الشوفية وتوفي عام 1987. هنا قراءة في أدبه.
قال خليل تقي الدين عن نفسه «مرآتي منصوبة في داخلي»، وهو ما يتجلى في كتبه. لن أستطيع أن أفي كل ما كتبه حقه في مقالة محدودة، ولذلك سأضطرّ إلى التركيز على بعض النقاط التي اعتبرتها أبرز ما يميز كتابته.
ضمّ كتاب «البدايات» مجموعة خطب وكلمات ألقاها الأديب في مناسبات مختلفة ونشرت حينها في بعض الصحف. أما «مذكرات سفير» فواضح من أولها أن خليل تقي الدين عشق وظيفته هذه إذ يقول: «تزوجتها وأنا في العشرين من عمري، وطلقتها وأنا على مشارف الستين، كان زواجي منها زواج حب وهيام.» لكن هذا الزواج لم يخلُ من صراع بين قلم الأديب وقلم الموظف كلما أراد أن يكتب تقريراً رسمياً. إلا أن الغلبة كانت، لحسن الحظ، لقلم الأديب في هذه المذكرات التي تناولت خبرته سفيراً في موسكو فمصر قبل العودة ثانية إلى موسكو. فنتابع بلذة ما خبر هو وما خبر لبنان من إيجابيات وسلبيات أثناء هذه الفترة، ويطلعنا على بعض مواقف جمال عبد الناصر وكميل شمعون وشارل مالك وغيرهم والأحداث السياسية التي عايشوها.
بعد هذه المذكرات نعود مع تقي الدين إلى «قصص من حياتي»، يستعيد فيها بظرف بعض ذكريات طفولته ودراسته وحياته الأدبية والوظيفية. إلا أن قرية بعقلين الشوفية التي ولد ونشأ فيها وأحبها حباً جماً كانت أهم ما صورته مرآته الداخلية وانعكس في «خواطر ساذج» وفي قصصه كلها، ما عدا «تمارا». ففي قريته تفتحت عينه على جمال الطبيعة في لبنان وقصصه مفعمة بعشق هذا الوطن وجمال طبيعته، عبّرت عنه أقوى ما عبرت مقالاته «يا وطني» و «أرضي وأرضكم» و «وفاء الأرض» وسواها. وإنه لبعيد الدلالة أن يستهل مجموعته القصصية الأولى عشر قصص من صميم الحياة بقصة «نداء الأرض» التي تتغنى بروعة الطبيعة البرية، ولا تخلو منها بعد ذلك قصص «الواحة» و «الغاوشو» من مجموعة «الإعدام» ورواية «العائد». يكتب في قصة «الواحة» مثلاً: «إن واحداً من هذه الأصباح الفرحة يرمي بي في أحضان الطبيعة الساحرة لقادر على جذبي إلى الأرض، هذه الأرض التي خُلقت لها والتي أعيش بغذائها، والتي أحن إليها أبد الدهور ولو نازعتني فيها ألفُ بيروت».
وما دام قد عشق القرية وطبيعتها كان لا بد له من أن يصور حياتها، لا سيما في مجموعة عشر قصص وفي رواية «العائد»: ملابس القرويين الشوفيين، نساء ورجالاً، واختلاف ملابس العقال من الدروز عن ملابس غيرهم، تقاليدهم في الخطبة والأعراس، أساليبهم في معالجة لسع الحيات، «الحلوينة» التي ينالها ساعي البريد الذي يحمل مالاً من أحد المغتربين، ثم إيمانهم بالرقى وبالعين وسبل محاربتهما. وقد دفعه حبه الشديد للطبيعة والحياة القروية إلى نقمة الرومنطيقيين على المدينة التي لا يرى فيها سوى الفساد والصخب والتكلف، كما تجلى في «قريتي ونفسي» من مجموعة «خواطر ساذج» وفي قصص «سارة العانس» من مجموعة «عشر قصص» وقصتي «الواحة» و «الغاوشو» من مجموعة «الإعدام». حتى في رواية «العائد» المتأخرة زمنياً عن المجموعتين السابقتين نراه لا يزال يقارن بين الحياة القروية الهانئة الفاضلة البسيطة والحياة الصاخبة الفاسدة في المدن.
النزعة الرومنطيقية التي طبعت «عشر قصص»، ما لبثت أن اختفت من معظم قصصه اللاحقة. فالحب موضوع مهم في قصص «في مهب الغرام»، «ذكرى الهوى الأول»، «سارة العانس»، «جحيم امرأة»، «صاحبي الذي مات» من مجموعة «عشر قصص»، وأيضاً في قصتي «الواحة» و»نهاية قصة» من مجموعة «الإعدام». لكنه الحب كما نظر إليه الرومنطيقيون: حب العذاب الذي يعتبرونه وحده حباً صادقاً حقيقياً، الحب المستحيل، الحب المقترن بالفراق والحنين والوحشة والميل إلى الوحدة واللجوء إلى الطبيعة التي يرى فيها المحب صورة حبه والحبيبة. وتتجلى هذه النظرة إلى الحب أيضاً في قصتين من قصص مجموعة «الإعدام»: «الواحة» و «نهاية القصة».
ولكن على رغم حب الكاتب الشديد لوطنه وقريته، وبسبب هذا الحب، لا يَغفُل عما فيهما من نقص ينتقده ساخراً حيناً، ولاذعاً حيناً. في «عشر قصص» يبيّن سخريته من النساء الهرمات المتصابيات الجاهلات، وينقد الزعماء الذين يفضلون وجاهتهم ومصالحهم الشخصية على مصلحة البلد، والقرويين الذين ينساقون كالغنم يتملقون من يظنونه غنياً وذا نفوذ. وأحداث «السجين» تبيّن انتقاده سجنَ إنسان لا توجه إليه تهمة، لا يعرف ذنبه ولا يُحاكم. وفي مجموعة «الإعدام» ينتقد السماسرة الذين يستغلون المهاجر العائد إلى لبنان فيسلبونه ما يكون قد جمع بعد شقاء، كما ينتقد أصحاب المصارف الذين يعبثون بأموال الناس ويسرقونها. وفي مجموعة «خواطر ساذج» نجد انتقاداً لاذعاً للأغنياء الذين لا يرون صور البؤس والشقاء حولهم. وقد يكون وضع المرأة في بلادنا من أعنف ما ينتقد عبر أحداث قصصه وتطورها. في مجموعة «عشر قصص» يبيّن مأساة فتاة صبية زوجها أهلها بشيخ غني لا تعرفه، طمعاً بماله، فلم تستطع أن تتمتع به جنسياً، ولا بماله الذي حُرمت منه بعد وفاته؛ أو مأساة الفتاة التي تكون ضحية شهوة الرجال، أو معاناة تلك التي تكون بشعة الوجه فتُحرم الحب والزواج. ونجد نقده الاجتماعي أيضاً في العديد من مقالات «خواطر ساذج، مثل «حدود الكذب»، «من صور الشقاء»، «يا بني وطني»، وغيرها. ومع أن هذه القصص والمقالات قد كتبت منذ ما يزيد على نصف قرن، فهي لا تزال تمثل صورة لمآسي مجتمعنا اليوم.
وما يلفت القارئ هو تطور فنه القصصي من مجموعة إلى أخرى. ففي الباكورة عشر قصص يشوب بعض القصص ما يجعلها غير مقنعة، على رغم كونها واقعية. في «نداء الأرض»، مثلاً، لا يقتنع القارئ بأن سعيد فقد قوته الجبارة فقط لأنه ترك حياته في البرية بضعة أشهر ليعيش في القرية. وإذا كانت جيرمين في قصة «في مهب الريح» تلك الفتاة الجميلة الذكية التي يصورها الكاتب، فماذا أتى بها إلى منزل عجوز متصابية لا يجتمع فيه سوى متطفلين على الأدب؟ كما لا يقنعنا أن يخرج العروسان من غير أن يتكللا في قصة «سارة العانس» فقط لأنهما أدركا أن سارة جُنّت. وفي الحوار أحياناً بلاغة غير واقعية كقول شاب لفتاة أحلامه في «سارة العانس»: «تنقذين شاباً يعبدك من وهدة اليأس والشقاء». غير أن هذه البلاغة المتكلفة في الحوار تختفي بعد ذلك من قصص مجموعة «الإعدام» وفي «العائد».
عناصر قصصية
لكن هذا لا يعني أن ليس في هذه المجموعة الأولى عناصر القصة الجيدة: فحدث القصة وتطورها ينطقان بانتقاده تقاليد الزواج البالية في «فارس الشامي»، مثلاً، وبانتقاده الخيانة للزوج وللحبيب في «جحيم امرأة». ولا يغفل الأديب أهمية التشويق في القصة الناجحة. ففي قصة «السجين»، مثلاً، لا نعرف لماذا سُجن وتنتهي القصة من غير أن نعرف، إلا أن فيها وصفاً دقيقاً لخوفه وتجاذبه بين الخوف والألم واليأس والأمل، إلى أن ينتهي به الأمر إلى إحراق نفسه، فينهي الكاتب قصته نهاية رائعة إذ يصور دخان الجسم المحترق «يهرب من الزندان خلال قضبان النافذة الحديدية كأنها لا تريد أن تحجب عن نور الفجر الجريمة، ولا الضحية». ويلفت القارئ في هذه القصص حسن تصويره نفسية أبطالها. ففي وحدته يتخيل السجين أن البقع على جدران زنزانته وجوه الذين ضمتهم الغرفة قبله، بل أفكارهم وأرواحهم، كذلك يحسن تصوير نفسية العانس التي تتوق إلى الحب وتصدق أحلام يقظتها إلى أن تفقد صوابها (سارة العانس). أما قصة «الديك» فتحسن تصوير نفسية امرأة حُرمت من الحب والإنجاب فتصب جام غضبها على ديك لأنه يتمتع بكل عنفوان الرجولة، كما تحسن قصة «نهاية قصة» تصوير أساليب الإغراء التي يستخدمها شاب مخادع، وتأثيرها في الفتاة.
إلا أن فن القصة تطور تطوراً ملحوظاً في مجموعة «الإعدام» وفي قصة «تمارا» (1955). إننا في قصة «الإعدام» بعيدون كل البعد عن مجرد تصوير المشاهد والأحداث كما في «عشر قصص». فقصة «الإعدام» تصور نظرية فرويد في أن الحياة فعل غريزتي الحب والموت مقترنتين، متزامنتين أو متعارضتين. فحياة الراوي بدأت بموت والدته، ثم نراه ينشأ متلذذاً بمشاهد الموت، ويصف بدقة كل الوسائل التي استُخدمت عبر التاريخ لإعدام الناس، ويصوّر حركات المسوق إلى الإعدام. وحين انتهت مشاهد الإعدام يتمتع بقراءة الروايات البوليسية. وفي الوقت نفسه يحب ميراندا حباً عميقاً لا يلبث أن يقوده إلى الموت إذ كانت جاسوسة، فيُتهم أيضاً بالجاسوسية، لا سيما بعد اطلاع السلطات على قراءاته، فيُعدم. فنرى كيف استطاع الأديب، ببراعة فنه القصصي، أن يبيّن اقتران الحياة والموت. وفي القصة، بعد، إثبات لنظرية أرسطو في التطهير (catharsis) حين تصور إقبال الناس على «حفلات» الإعدام «للتمتع بنعمة الخوف والشعور بأنهم في نجوة عن الخطر المحدق بذلك البائس المسكين».
تبقى روايتا «تمارا» و «العائد». رواية «تمارا» وحدها بين قصص تقي الدين لا تدور أحداثها في لبنان، وإنما في موسكو. يجيد الأديب خلق جو الخوف والتجسس فيها، جوً خبره بنفسه حين كان سفير بلاده إليها، وفي سرد مشوق وبراعة فنية يمزج هذا الجو بقصة حب تمارا الزائف لسفير استغلته جاسوسة لبلادها، إلى أن استغلها سفير آخر، أحبته فعلاً، جاسوسة على بلادها، فتنال عقاب حكومتها وتنتهي فقيرة معدمة، وتختفي من حياة الأديب، فلا يعرف هل نفيت، أم اعتقلت، أم ماتت. وقد عبّر تطور الأحداث عن العبرة التي أرادها الأديب. إلا أنه أنهى القصة نهاية مؤثرة إذ يبين أن تمارا طلبت منه في لقائهما الأخير أن يكتب قصتها، فها هو يفي بوعده لها بعد انقضاء عشر سنوات.
أما رواية «العائد» فقصة تهدف إلى إثبات صحة إيمان الدروز بالتقمص والقدر المكتوب، وفي سبيل ذلك يسوق الأديب الخبر تلو الآخر عمن عاد إلى هذه الدنيا متذكراً أحداثاً من حياته السابقة، بل يذهب أيضاً إلى أن اسماعيل من عهد الحاكم بأمر الله في مصر تقمص في شخص بطل القصة سلمان، وأن حبيبة اسماعيل أمينة تقمصت في شخص سوسو المعاصرة. إلا أن سلمان كان قد أغوى زوجة الثري الذي كان يعمل عنده، وحين اكتشفت حبه لسوسو انتقمت منه بأن سعت لإدخاله مستشفى للمجانين. وهنا أتساءل: هل أراد تقي الدين بهذه النهاية أن يرينا رفض الناس لكل من يخالف معتقداتهم؟ أم أن يجعل سلمان رمز الاضطهاد الذي لحق بالدروز في حقب تاريخية معينة؟ ولكن يضعف هذه الرواية المقاطع الوعظية الطويلة عن التقمص والروح والحياة والموت، وتصرفات سلمان الصبيانية المبالغ فيها أمام سوسو حين أخذ يقفز ويضحك كالمجنون.
إلا أن أعمال تقي الدين الأدبية تبقى، كما قال، مرآة منصوبة في داخله، لا تعكس فقط هذا الداخل بأمانة وصدق، وإنما تعكس أيضاً الأحوال السياسية والاجتماعية التي كان شاهداً عليها وفاعلاً فيها.