روابط مهمة : استرجاع كلمة المرور المفقودة | طلب كود تنشيط العضوية | تنشيط العضوية | تعلــم لتربــح

Preview on Feedage: منتديات المجموعة المصرية للخدمات المالية Add to My Yahoo! منتديات المجموعة المصرية للخدمات المالية Add to Google! منتديات المجموعة المصرية للخدمات المالية Add to MSN منتديات المجموعة المصرية للخدمات المالية Add to Windows Live منتديات المجموعة المصرية للخدمات المالية

راقب شركتك أو مصنعك أو منزلك من أي مكان في العالم

مركز تحميل المجموعة المصرية للخدمات المالية لرفع وتحميل الصور والتشارتات والملفات

إعلانــــات هامـــــة
جميع المواضيع والمشاركات والمعلومات والآراء والتوصيات الواردة بالمنتدى تعبر عن رأي كاتبيها ... وإدارة المنتدى غير مسئولة عن أي تبعات قانونية أو إستثمارية نتيجة لأي خسائر ناتجة عن إستخدام هذه المعلومات أو الآراء أو التوصيات

للتسجيل اضغط هـنـا


العودة   منتديات المجموعة المصرية للخدمات المالية > المنتديــــات العامــــة > المنتــدي العــام > ذاكــرة التــاريــخ

ذاكــرة التــاريــخ أحداث سجلهــا التاريــخ ... وأحــداث نحــن نسجــلها لنكــون بهــا شاهديــن علــي التاريــخ



إضافة رد
 
أدوات الموضوع
قديم 26 - 02 - 2013, 19:17   #1
معلومات العضو
dr moustafa
أستاذ مساهم
 
الصورة الرمزية dr moustafa
 

المعلومات الشخصية






علم الدولة : Egypt

dr moustafa غير متصل

 

 

 

Moving "محــاكمة زعيـم".."محيط" تنشر أوراق القضية الأصلية لمحاكمة أحمد عرابي (1-9)


"محــاكمة زعيـم".."محيط" تنشر أوراق القضية الأصلية لمحاكمة أحمد عرابي (1-9)

الإثنين 2013/2/25 6:05 م












12 شاهد إثبات يحاولون إحكام التهمة علي عرابي

تأليف ـ الكاتب الصحفى محمود صلاح

محيط - ربما لم يشهد تاريخ القضاء المصري مثل قضية محاكمة أحمد عرابي زعيم الثورة العرابية، هذا الضابط الفلاح الذي جاء من أعماق الريف المصري ورغم أنه تبوأ أكبر المناصب العسكرية حتى أصبح ناظرًا للجهادية إلا أن المنصب الكبير والرتب والنياشين لم تمنعه من أن يعلن الثورة على الخديوي من أجل كل المصريين. وأن يتصدى بكل جسارة وشجاعة لأساطيل وجيوش المحتل البريطاني.

إن وقائع محاكمة عرابي وأسرار القضية التي لم تذع من قبل. هي أشرف وسام للمواطن المصري.

ومن ناحية أخرى فإن تفاصيل القضية ومحضر استجواب أحمد عرابي، وحكم إعدامه الذي استبدل به النفي إلى الأبد من الأقطار المصرية، ستظل بكل ما فيها من أسرار وتناقضات شاهدًا على تاريخ مصر العظيمة وشجاعة رجالاتها الأوفياء، وكيف حاول – ويحاول – اللصوص والمنافقون تزييف هذا التاريخ برذاذ أسود وزبد الفقاعات الهشة. لكن الثوب يبقى ناصعًا رغم الرذاذ، والزبد دائمًا يذهب هباء.

ويكفي أن تهمة أحمد عرابي كانت الخيانة العظمى لأنه أبى الاستسلام وأصر على الدفاع عن مصر ضد الإنجليز.

كانت محاكمة عرابي بالفعل من أغرب المحاكمات في تاريخ القضاء المصري. لقد حوكم الزعيم أحمد عرابي أمام المحكمة الخديوية المصرية عام 1882 وتكونت هيئة المحاكمة من رءوف باشا، وإبراهيم الفريق باشا، وإسماعيل كامل باشا، وآخرين. أما شهود الإثبات الذين شهدوا ضد أحمد عرابي فكانوا سلطان بك، وأحمد السيوفي، وسعيد السماحي، وآخرين.

وكان من الغريب أن يكون أعضاء هيئة المحاكمة وشهود الإثبات من المصريين، أما الذين وقفوا للدفاع عن عرابي فقد كانوا من الإنجليز، فقد تشكلت هيئة الدفاع عنه من مستر برودلي وريتشارد إيف ومارك نابير!

لكن الأغرب أن التهمة التي وجهت إلى عرابي قبل استجوابه كانت أنه دافع عن مصر ضد الاحتلال البريطاني، مخالفًا بذلك تعليمات وأوامر الخديوي توفيق.

أشرف تهمة
فقد جاء في وصف التهمة التي وجهت لأحمد عرابي حسب السجلات الأصلية للقضية: أنه لما صدرت الإرادة الخديوية إلى أحمد عرابي باشا في 29 شعبان سنة 1299 هجرية الموافق 15 يوليو سنة 1882 بأن الضرب على الطوالي عن دونتمة الإنجليز. ما كان إلا للتهديد للدونمة باستمرار التجهيزات الحربية بالطوالي بعد صدور الأوامر بإبطالها، وأمر جناب الخديوي بأن يصرف النظر عن جمع العساكر وإبطال التجهيزات، ويخطر لطرف سموه برأس التين لإعطائه التنبيهات اللازمة، فلم يمتثل وأظهر العصيان بالرد على سموه بأن لابد من استمرار التجهيزات ما دامت المركب في الميناء، وفي الحال استعد للمقاومة وجدد استحكامات كفر الدوار وغيرها للمحاربة مخالفًا في ذلك للإرادة المشار إليها.

ويضيف وصف التهمة: ولم يكتف عرابي باشا بعصيانه لجناب الخديوي كما توضح، بل أرسل الأمر الصادر له بإبطال التجهيزات وبطلبه بإفادة منه لوكيل الجهادية في 17 يوليو سنة 1882 بقصد استمرار التجهيزات وحرر للمديريات وللجهات من طرفه منشورًا في نهاية 16 يوليو 1882، بأمر عموم الأهالي بالمداومة على التجهيزات، ويحذرهم من الإصغاء للأوامر الخديوية التي تصدر إليهم بإبطال التجهيزات، وأنهم لا يتبعون إلا أوامره هو فقط.

هل هناك أشرف من هذه.. تهمة؟
لقد رفض عرابي أوامر جناب الخديوي بعدم التعرض لأسطول الإنجليز، وعصى هذه الأوامر ورفض مقابلة الخديوي، وطلب من أهالي الإسكندرية وكل سكان مصر عدم الامتثال لأوامر الخديوي. وحتى بعد انسحابه من الإسكندرية استمر أحمد عرابي في عصيانه للخديوي الذي باع نفسه وأراد بيع مصر للإنجليز، مما جعل الخديوي يصدر فرمانًا بعزله من نظارة الجهادية.

فقد جاء أيضًا في وصف التهمة: كما أن ذهاب عربي إلى كفر الدوار مستصحبًا العساكر، وإخلاء الإسكندرية من غير أن يصدر له أمر بذلك.. وتوقيف حركة السكة الحديد وقطعه جميع المخابرات التلغرافية عن سموه ومنعه ورود البوستة لجنابه، ومنعه لرجوع المهاجرين لوطنهم الإسكندرية، واستمراره على التجهيزات الحربية، وامتناعه عن الحضور عند طلبه، كل ذلك أوجب عزله، ولهذا قد عزله من نظارة الجهادية والبحرية فلم يذعن لهذا أيضًا. بل بقي مستمرًا على ترأسه على الجيش، وعلى استدامة التجهيزات الحربية وتكليف الأهالي بالانقياد لأوامره ومخالفة أوامر الخديوي.

كل ذلك بعد رفع الراية البيضاء إشارة للسلم والدخول في المكالمة.

أمر بخلع الخديوي
وتسجل الأوراق الأصلية لمحاكمة الزعيم أحمد عرابي قبل إجراء التحقيق معه شهادات 12 شاهد إثبات تقدموا بشهادتهم ضد عرابي إلى القومسيون الذي أجرى استجوابه فيما بعد.

وعلى رأس شهود الإثبات الذين شهدوا ضد عرابي سلطان بك رئيس مجلس النواب الذي شهد بأن عرابي أعلن الثورة وطالب بخلع الخديوي توفيق.

تقول أوراق القضية إن سعادة سلطان بك رئيس مجلس النواب بشهادته قال إن العرابي لما حضر إلى منزله في يوم السبت 27 مايو 1882، ومعه جملة من الضباط والعساكر وبعد قليل حضر نحو خمسمائة منهم وأحاطوا بالمنزل داخلاً وخارجًا بعد سقوط وزارة محمود سامي.

ويقول سلطان بك في شهادته: ثم قام عرابي خطيبًا بما افتراه على ولاة مصر السابقين وعلى الحضرة الخديوية بأمور غير لائقة، وفي أثناء خطبته هدد من كان حاضرًا في المجلس من العلماء والنواب، حتى انتهى به التهور إلى المناداة بخلع سمو الخديوي، فارتفعت أصوات العساكر والضباط.

وقالوا : الخديوي مخلوع.

ثم قال عرابي مشيرًا للنواب وبقية الحاضرين: من كان منكم معنا فليقف.

ثم جرد محمد بك عبيد سيفه وقال:

علي الطلاق إن من لم ينتصب واقفًا لأضربن عنقه!

يقول سلطان بك. فلم يكترثوا وما زالوا جالسين إلا من كان من العسكرية مثل أمين بك الشمسي، وفهمي أفندي عمر، ومراد أفندي السعودي، وأبي عبد الإله، ومحمد أفندي جلال.

وطلب العرابي من النواب الختم على المحضر الذي معه.

فأخبرته أن هذا مستحيل الوقوع، وامتنع النواب وجلس العرابي والتمس مني ومن الحاضرين، طلبة باشا ويعقوب سامي باشا استرحام سمو الخديوي إعادة العرابي لوظيفته حفظا للراحة والأمن العمومي. فقمت وتوجهت للأعتاب – الخديوي – وعرضت ملتمسهم فلم يُجَب، وفي اليوم التالي حضر التجار والعلماء، ولكني امتنعت عن النزول إليهم متحججًا بالمرض ثم حضر العرابي في حالة تهور ودعاهم للتوجه للحضرة الخديوية ليلتمسوا عودته لنظارة الجهادية، فتوجهوا والتمسوا ذلك لأجل منع الخطر الذي كان متصورًا وقوعه.

والعياذ بالله

وتوالى شهود الإثبات ضد أحمد عرابي..

وكان منهم سليمان بك العيسوي الذي قدم شهادة بالمضمون المذكور وزاد فيها أن العرابي بعد مناداته بخلع الخديوي. أمر خليل بك كامل أن يستعد بآلايه ويحضر به إلى سراي الإسماعيلية ليلاً ويحاصرها".

وشهد محمد بك السيوفي بنفس شهادة العيسوي بك. أما مصطفى بك الهجين فقد شهد بأنه: "لما قال سلطان بك للعرابي بأن يتكفل بالأمن أجابه أنه يتكفل به لو كان ناظرًا للجهادية".

وشهد "حضرة الشيخ البحراوي" بنفس المضمون.

وأضاف في شهادته: العرابي في أثناء خطبته نسب إلى سمو الخديوي، الكفر والخروج عن دين الإسلام (والعياذ بالله). أما الذين لبوا عرابيًّا فهم أحمد محمود وإبراهيم الوكيل والسيد الفقي وأحمد عبد الغفار ومحمود بك العطار.. كما أن محمد بك عبيد جرد سيفه عليّ أنا على وجه الخصوص وحلف اليمين أن يقتلني. أما أمين أفندي فقد أكثر في سبي وطعني بيده في جسمي.. والعرابي كان متفقًا مع من تهور من العلماء.

وبطريقته يصف أحد شهود الإثبات ذلك الموقف التاريخي الذي وقفه الزعيم أحمد عرابي ضد الخديوي توفيق في سراي عابدين.

يقول سعيد بك السماحي في شهادته: إن أحمد عرابي وعصابته جرد جملة عساكر خيالة وبيادة وطوبجية ومدافع على سراي عابدين. وأحاط بها وتهددها وكان سمو الخديوي مع وزرائه وكثير من أمراء الحكومة ووكلاء الدول والأوربيين ووجوه القاهرة وأعيانها وأنا منهم. وكان شريف باشا قد توقف في قبول رئاسة النظارة لما رآه من حالة الجهادية وتغلبهم. وأن كثيرًا من النواب كانوا لا يتكلمون إلا بإشارات أحمد عرابي ومحمود سامي. ولما تولى محمود سامي الرئاسة وأحمد عرابي نظارة الجهادية تصرف عرابي في عموم المصالح ولم يكن يرد له فيها قول. وكان يوقع على جميع ما يعرض إليه ويخاطب عموم الجهات. وكان رؤساء المصالح يمتثلون لأوامره.

ويروي سعيد السماحي تفاصيل الحوار الذي دار بينه وبين عرابي. عندما ذهب إليه السماحي مع وفد في مدينة الإسكندرية ويقول:

سألت العرابي: ماذا تصنع إذا حضرت العساكر الشاهانية؟.

رد عرابي: أقاتلهم لأنهم مساعدون لعساكر الإنجليز. وإنا أقاتل كل من ينضم إلى الإنجليز حتى لو تجتمع عموم الدول.

يقول السماحي: ولما تكلمت مع درويش باشا بشأن أخذه إلى الآستانة.

رد عرابي: بيني وبين الضباط عهود وهم لا يرضون بذلك. فضلاً عن أن الأمة المصرية لا تعرف غيري!.

وشاية.. الخواجة

والطريف أن بعض شهود الإثبات كانوا من الوشاة الذين حاولوا الإيقاع بين عرابي ورفاقه!.

ومن هؤلاء "المسيو يوسف شاندلر" الذي شهد بأنه "لما تكلم مع محمود باشا سامي بشأن الشائعة التي تواترت عن رغبة عرابي في سقوط وزارة محمود باشا سامي ليتولي عرابي بنفسه الرئاسة بدله".

- رد عليه محمود باشا سامي قائلاً: لا صحة لهذه الشائعة.. والوفاق متمكن بيننا.. وأنا أعرف مقاصد عرابي السرية!

وكان من بين شهود الإثبات "خواجة آخر". وشهادته تتحدث عن نفسها!.

يقول "الخواجة موج" في شهادته: من ضمن ما أعلم أنه لما كان عرابي خارجًا في طابية الرماس سمعت حركة مقذوف خرج بالقرب من الطابية وقتل ضابطين وجملة ناس. وفي الحال أمر عرابي البوليس أن يدخلوا كافة المنازل المرفوع على سطوحها بيارق. لتوهمه أن إلقاء هذا المقذوف بسبب إشارات عملت بالبلدة للمراكب الإنجليزية. وتهجم أحد الضباط ومعه عشرون من عساكر البوليس على بابي. وكان معهم أحد عساكر المتحفظين يحمل بيده فأسا ملوثة بدم مستخدم التلغراف الذي كان قد بقي بالمكتب. وفي ثاني يوم نحو الساعة التاسعة صباحًا مر طلبة باشا إلى جهة الترسانة. وفي الساعة العاشرة ابتدأ ثانيًا الضرب وانتهى بعد ضرب أربع بمبات (قنابل). نظرًا لرفع البيرق الأبيض. وفي هذا الوقت تم إلزام الأهالي بالمهاجرة، ومن امتنع كان يجبر بالقوة. كان عرابي واقفًا بباب شرقي. وفي الساعة الثانية ونصف بعد الظهر حضرت عساكر جهادية في شارع باب شرقي. وبعد قليل ابتدءوا في كسر أبواب وشبابيك المحلات. ولما هجموا على أحد المحلات وقيل لهم أن يمتنعوا عنه لأن به صندوق الحكومة. قالوا إنهم مأمورون بنهب كل شيء وقتل من يجدونه من الأوروبيين وحرق كل جهة.

ويضيف الخواجة موج: قاومت على نفسي في محلي حتى توجهت العساكر إلى محل أخي. وكنت أسمع قرقعة أصوات الآلات الحديدية في الأبواب والشبابيك الجاري كسرها. حتى صار فتحها وتمكنوا من النهب. وفي الساعة الخامسة والنصف ضرب النفير فاجتمعت العساكر وتوجهوا جهة باب شرقي حاملين غنايمهم هم والضباط ومن يتبعهم من الأشقياء الأوباش. وبعدها نظرت لهيب البيوت التي حرقوها وأخذت في الانتشار. وما انتهى خروج العساكر إلا والنار وصلت كل الجهات.

قطع دابر الخونة
وتوالت شهادات شهود الإثبات ضد أحمد عرابي..

وكأن شهاداتهم لم تكن كافية. فقد جمع القومسيون الذي تولى التحقيق مع عرابي عددًا من التلغرافات التي اعتقدوا أنها لازمة لإحكام أركان التهمة حول عنقه.

ومنها تلغراف من عرابي إلى "بيسم بك" يقول له فيه: "إن الخديوي تواطأ مع الإنجليز.. وعضده درويش باشا" مع أن ذمته وديانته تلزمه أن ينصح الخديوي بأن يكون خلف الجيش المصري، ولكن من فعلهما يتضح أنهما متحدان مع الإنجليز.

وتضمنت أوراق القضية تلغرافات أخرى من أحمد عرابي ومنها.

تلغراف منه: "إلى الحارس عموم أركان حرب الاستفهام عما إذا كان صار سد الترعة الحلوة أم لا؟ مع المبادرة بسدها حالاً".

وتلغراف آخر منه: "إلى وكيل الجهادية بمحاكمة محمد رائف بك وقطع مرتبه. لكونه تعين محافظًا للسويس من طرف الإنجليز".

وتلغراف منه: "إلى محمود بك فهمي يأمره بأن يقطع السكة الحديد طريق الإسماعيلية".

وتلغراف من عرابي: "بمحاكمة علي أفندي ياور بالمجلس كونه انحاز إلى مراكب الإنجليز، وهو وجميع من سبق انحيازهم للإنجليز. ومن تركوا أوطانهم وأموالهم فرارًا من العدو".

وتلغراف لوكيل الجهادية: "بقطع دابر حسن حسني مأمور مالية الدقهلية وشكيب بك مأمور المطرية وعلي بك وكيله. لكونهم مفسدين لمساعدتهم لأعداء الدين".

وأخيرًا تلغراف من عرابي لوكيل الجهادية أيضًا.. "يبشره بما أوضحه طلبة باشا من نصرته على العدو.. ومشاهدته على غلبة الظن أن توفيق بك وابن ملكة الإنجليز كان في وسطهم".

أما آخر شهود الإثبات ضد عرابي فقد كان سليمان بك أباظة الذي قال: لما صار إحاطة سراي الرمل بالعساكر والسواري متسلحين. أمرني جناب الخديوي بأن أتوجه مع آخرين إلى عرابي وأسأله عن سبب ذلك. فتوجهت ومن معي فوجدنا عرابي بباب شرقي مع محمود سامي وضباط وعساكر واقفين تحت السلاح. وجملة منهوبات مكومة على الأرض وجاري الحريق فيها. وتكلمنا مع عرابي في خصوص إزالة العساكر المحاطة بالسراي.

فرد عرابي: إني لا أعلم ماذا أفعل.. الأمة غير راضية عن الخديوي وخائفون من نزوله بمراكب الإنجليز.

وعندما يكرر سليمان بك أباظة "الترجي، على عرابي لرفع العساكر، يرسل معه طلبة باشا لصرف العساكر وأن يعتذر للخديوي".

كانت هذه شهادات الإثبات ضد أحمد عرابي. فماذا دار في التحقيق التاريخي معه. وكيف تم استجواب زعيم الثورة العرابية؟.







    رد مع اقتباس
قديم 03 - 03 - 2013, 19:47   #2
معلومات العضو
dr moustafa
أستاذ مساهم
 
الصورة الرمزية dr moustafa
 

المعلومات الشخصية






علم الدولة : Egypt

dr moustafa غير متصل

 

 

 

Moving "محـــاكمة زعيـم" .. أوراق القضية الأصلية لمحاكمة أحمد عرابي (2-9)


"محـــاكمة زعيـم" .. أوراق القضية الأصلية لمحاكمة أحمد عرابي (2-9)

الثلاثاء 2013/2/26 7:41 م













الجيش يحضر إلي السجن ويطلق سراح زعيمه!!
تأليف ـ محمود صلاح

ربما لم يشهد تاريخ القضاء المصري مثل قضية محاكمة أحمد عرابي زعيم الثورة العرابية، هذا الضابط الفلاح الذي جاء من أعماق الريف المصري ورغم أنه تبوأ أكبر المناصب العسكرية حتى أصبح ناظرًا للجهادية إلا أن المنصب الكبير والرتب والنياشين لم تمنعه من أن يعلن الثورة على الخديوي من أجل كل المصريين. وأن يتصدى بكل جسارة وشجاعة لأساطيل وجيوش المحتل البريطاني.

إن وقائع محاكمة عرابي وأسرار القضية التي لم تذع من قبل. هي أشرف وسام للمواطن المصري.

ومن ناحية أخرى فإن تفاصيل القضية ومحضر استجواب أحمد عرابي، وحكم إعدامه الذي استبدل به النفي إلى الأبد من الأقطار المصرية، ستظل بكل ما فيها من أسرار وتناقضات شاهدًا على تاريخ مصر العظيمة وشجاعة رجالاتها الأوفياء، وكيف حاول – ويحاول – اللصوص والمنافقون تزييف هذا التاريخ برذاذ أسود وزبد الفقاعات الهشة. لكن الثوب يبقى ناصعًا رغم الرذاذ، والزبد دائمًا يذهب هباء.

ويكفي أن تهمة أحمد عرابي كانت الخيانة العظمى لأنه أبى الاستسلام وأصر على الدفاع عن مصر ضد الإنجليز.

هذه حقيقة ما حدث في بيت سلطان باشا رئيس مجلس النواب يوم الأربعاء 27 ذي القعدة من عام 1299 هجرية. تم استدعاء الزعيم أحمد عرابي من سجنه لإجراء التحقيق معه.. ويكشف محضر الاستجواب التاريخي بكل وضوح وعلى لسان أحمد عرابي الكثير من أسرار الثورة العرابية.. كانت هيئة القومسيون تتكون من إسماعيل أيوب ومحمد مختار ومصطفي خلوصي وآخرين. ودار الاستجواب على طريقة السؤال والجواب. وكانت إجابات أحمد عرابي قاطعة حازمة صريحة.
في بداية الاستجواب

سأله رئيس القومسيون: لما تولى خديونا الأعظم مسند الحكومة المصرية.. أين كنت مستخدمًا؟.

رد أحمد عرابي: كنت معينًا في تسليم 700 ألف أردب غلال.

رئيس القومسيون : لمن؟.

أحمد عرابي : من مديريات وجه قبلي لبعض التجار.

رئيس القومسيون: كنت تبع أي مصلحة؟.

أحمد عرابي : تبع نظارة الجهادية.

رئيس القومسيون: هل كنت من المستودعين؟.

أحمد عرابي: لم أكن من المستودعين بل كنت في ألاي وتعينت لمأمورية.

رئيس القومسيون : ما كانت رتبتك؟.

أحمد عرابي: قائمقام.

رئيس القومسيون : متى ترقيت لرتبة الميرالاي؟.

أحمد عرابي : في ابتداء تولية الجناب الخديوي العالي.

رئيس القومسيون : وفي أي ألاي تعينت؟.

أحمد عرابي : تعينت في ألاي بيادة.

هذا ليس ذنبا
ويواصل رئيس القومسيون استجواب أحمد عرابي. ويتطرق إلى واقعة ذهاب أحمد عرابي وبعض قوات الجيش إلى سراي الخديوي في عابدين.

فيسأله: في 15 صفر عام 1298هـ تقدم منكم عرضحال لدولتلو رياض باشا رئيس مجلس النظار في ذلك الوقت فهل تتذكره؟

أحمد عرابي: نعم.

رئيس القومسيون: هذا العرضحال لم يكن عليه أختام بل مقال فقط من ضبطان (ضباط) الجهادية وقدمته أنت وعلي فهمي وعبد العال.. فهل عندك توكيل من ضباط الجهادية بتقديمه؟.

أحمد عرابي: هذه مسألة صدر عنها عفو من الحضرة الخديوية.

رئيس القومسيون : هل تعترف أن هذا ذنب حتى أن الحضرة الخديوية عفت عنه؟.

أحمد عرابي : لم يكن هذا ذنبًا.

رئيس القومسيون : نحن نسألك.. هل عندك توكيل أم لا؟

أحمد عرابي: توكيلهم لي ولعبد العال باشا وعلي باشا فهمي معلوم بداهة. ولم نأخذ منهم سندات.

رئيس القومسيون : قل أسماء بعض الضباط الذين وكلوكم لكي نسألهم؟.

أحمد عرابي : لا لزوم للسؤال منهم.. فإني لما كنت ميرالايًا كانت لي كلمة نافذة على ضباط سائر الميرالايات. وهذا دليل على أنهم وكلوني ومؤتمنون طرفي.

رئيس القومسيون: في ذلك الوقت صدر أمر من الجناب الخديوي بتوقيفكم. وتلي عليكم الأمر المذكور وامتثلتم وعلمتم منه بتشكيل مجلس عسكري مركب من الجنرال إستون وإبراهيم باشا فريق السواري وغيرهما للحكم فيما يختص بكم على حسب القانون.. فهل حصل ذلك أم لا؟.

أحمد عرابي : تلي علينا ذلك الأمر.. ولكن يؤخذ منه أنه ليس المفروض الحكم علينا بمقتضى القانون فقط. بل يستدل منه على موتنا أيضًا.

رئيس القومسيون: الأمر الذي صدر بشأن تشكيل المجلس المذكور موجود هنا. فسنتلوه عليك وقل لنا من أين يؤخذ أن الغرض موتكم.

كان المطلوب إعدامنا
وبدأ رئيس القومسيون يتلو على عرابي صورة الأمر العالي الصادر لنظارة الجهادية بتاريخ 29 صفر 1298 هجرية في حق كل من أحمد عرابي وعلي فهمي وعبد العال حشيش.

فقال : "بناء على الأفكار الفاسدة والحركات المتوقعة من كل من أحمد بك عرابي ميرالاي 4 بيادة، وعبد العال بك حشيش ميرالاي 6 بيادة، وعلي بك فهمي ميرالاي بيادة، خلافًا للقانون والنظام العسكري فقد تقرر بمجلس النظار المنعقد يوم تاريخه بسراي عابدين تحت رياستنا. توقيف الثلاثة ضباط المذكورين. وإحالتهم للمحاكمة على مجلس عسكري تحت رياسة الجنرال إستون، وأعضاؤه إبراهيم باشا فريق السواري ولاري باشا وبلوتز باشا ولواء خورشيد عاكف باشا ورضا باشا. ومن الضباط المتقاعدين لواء نجم الدين باشا. ولهذا أصدرنا أمرنا هذا لكم لكي تجرون حالاً توقيف الضباط الثلاثة المذكورين. مع أخذ الاحتياطات الكافية لعدم وقوع أدنى ما يخل بالنظام العمومي. وتحت كفالتكم وبمعرفتكم يصير انتخاب وتعيين بدل الضباط الثلاثة المذكورين. وتشكيل المجلس العسكري فوق العادة ومحاكمة الضباط الثلاثة. وقد تحرر في تاريخه لجناب الجنرال إستون بما لزم في ذلك يكون معلوما.

وعندما انتهى رئيس القومسيون من تلاوة أمر الخديوي. بادر أحمد عرابي بالرد عليه.

فقال لرئيس القومسيون: حيث إن الخديوي قال في ذلك الأمر إنه بناء على الأفكار الفاسدة إقالة أحمد عرابي وعبد العال. فلابد أن كل مجلس مصري يحكم علينا بالموت. ومقال به أيضًا مع أخذ الاحتياطيات الكافية لعدم وقوع ما يخل بالنظام العمومي تحت كفالتكم. فهذا لم يسبق له مثيل. ويستدل منه على أن الغرض إعدامنا. هذا فضلاً عما شاهدناه فإن الأمر قاصر على التوقيف ولم يذكر به السجن والذي حصل خلاف ذلك. فإنه أخذت منا السيوف. ووضعنا بالسجن ووقف علينا ناس بالطبنجات في أيديهم. فرؤي لنا من جميع ما ذكر أن هذه الحالة الغرض منها إعدامنا.

لم تحفظ النعمة!
ويواصل رئيس القومسيون استجواب أحمد عرابي..

فيسأله: مذ كنتم في السجن حضر 1 جي ألاي وأخرجكم من الحبس، وفي الغروب حضر 6 جي ألاي حكمدارية عبد العال والآلاي حكمداريتكم كان عازمًا على الحضور أيضًا.. فهل حضورهم كان بناء على أوامر منكم وباتفاق قبل حصول الحبس أم حضروا من تلقاء أنفسهم؟.

يرد أحمد عرابي قائلاً: الآلاي حكمداريتي لم يقم من محله ولم يكن عنده تنبيه بالحضور. أما الآلايان الآخران فلم أعلم بناء على أي شيء حضرا. ولكني حيث إن الضبطان (الضباط) وكلونا بطلب العرض للمساواة والإنصاف بين أصناف العسكرية. فهم طبعًا ملاحظون أحوالنا أولاً فأول. فلما رأوا هيئة ما حصل لنا من السجن أخبروا بعضهم بعضًا وحضروا لخلوصنا.

رئيس القومسيون: لكن علم من التحقيق أن ألاي علي فهمي لم يحضر إلا بناء على تنبيه من قبل الواقعة بيوم. وألاي عبد العال حضر في يومها بناء على أمره بواسطة إرسال واحد إلى طرة. وأن عدم حضور ألايكم هو بالنظر لعدم امتثال ألفي يوسف. وخلاف ذلك لم تتحرك باقي الآلايات.. فماذا تقول؟.

أحمد عرابي: هذه المسألة عرضت على قناصل الدول في ذلك اليوم وصدر عنها عفو عمومي.

رئيس القومسيون : بعد إخراجكم من السجن بقصر النيل بواسطة العساكر وحضوركم لعابدين. كنتم تعلمون جيدًا أنكم معزولون في ألاياتكم. فلماذا بقيتم هناك مع العساكر. وأصررتم على طلب عزل عثمان باشا رفقي في نظارة الجهادية مع أنه مرارًا يوعدكم جناب الخديوي بالإجابة. وينبه عليكم بالانصراف ولم تنصرفوا حتى تحصلتم على مرغوبكم؟.

أحمد عرابي : هذه مسألة صدر عنها عفو من الحضرة الخديوية.

يرد عليه رئيس القومسيون قائلاً: حيث إنه قيل منكم إنه صدر عن ذلك عفو من الحضرة الخديوية. وتحصلتم على رفع ناظر الجهادية الذي كنتم متشككين منه. فكان المأمول إذن مقابلة هذه النعمة بالطاعة والانقياد التام لأوامر الحضرة الخديوية والسلوك الحسن. لكن وقع منكم ضد المأمول وقبل انقضاء سبعة أشهر على هذا العفو. أحضرتم ألايكم وألايات الاثنين ميرالايات الذين اشتركوا معكم في واقعة 4 فبراير 1881 وبعض الآلايات التي أمكنكم إغراءها على ذلك وبطاريات الطوبجية، وأحطتم بهؤلاء العساكر سراي الجناب الخديوي بعابدين في يوم الجمعة 9 سبتمبر 1881. وقبل حضوركم لتلك الجهة ببضع ساعات. حررتم للقناصل ولناظر الجهادية كل هذا التصميم الذي تجاسرتم على إجرائه بالفعل. فما أسباب ذلك ولماذا تجاسرتم على هذا الفعل المضاد للنظام العسكري. وبدلاً من قيامكم بأداء وظيفتكم التي هي حفظ الذات العليا. هددتموها بالأسلحة التي أعطيت لكم لأجل حفظ تلك الذات السنية. وحفظ الحكومة المصرية. وفيما بعد طلبتم من الحضرة الخديوية طلبات لم تكن من وظائفكم. وأصررتم على عدم إعادة العساكر لمحلاتهم حتى تحصلتم على مطلوبكم بهذه الكيفية.

لأرفع الظلم عن الأمة
وهنا يرد أحمد عرابي على رئيس القومسيون ردًا تاريخيًا. لا يدافع فيه عن نفسه بقدر ما يدافع عن مصر والشعب المصري.

يقول عرابي: إن الأسباب التي دعت لذلك هي عدم الأخذ بالعدل والمساواة في المعاملات شأن البلاد التي لا تحكمها قوانين ولا يراعى فيها الإجراء على مقتضاها. فلذلك اعتمد أعيان البلاد على أبنائهم رؤساء العسكرية. وتاقت أنفسهم لتشكيل مجلس نواب بالبلاد. يحفظ لها حقوقها ويدفع عنها ما ألم بها من المظالم. حيث إنه من كان له مظلمة منهم وتلقى في مجلس من المجالس الأهلية فلا تنتهي ولا ينظر لها بعين الاعتبار. وربما تترك بالمجلس فوق العشرين سنة حتى يموت صاحب الدعوى كمدًا بظلمه. وكضياع حقوقهم المدفوعة في المقابلة التي هي عبارة عن 17 مليون جنيه. ولم يصر معاملتهم فيها أسوة الديّانة الذين لهم حقوق على الحكومة المصرية. وغير ذلك مما لا يمكن شرحه في هذا الجواب.

وأضاف عرابي قائلاً: واجتمعت إذن أفكار الناس على أنه لا مخلص في تلك المظالم إلا بوجود مجلس نيابي يكون من شأنه حفظ الأرواح والحقوق والأموال. فأجمعوا أمرهم على ذلك. مع سن قوانين عادلة تكفل لهم حقوقهم. وتحرر بها إعراضات، وختم عليها نحو الألفي نفس من عمد وأعيان وتجار البلاد. ولخوفهم من البطش أنابوني مع إخواني الضبطان (الضباط). لكوننا أبناءهم وهم أهلونا. يضرنا ما يضرهم وينفعنا ما ينفعهم. فقام العساكر البيادة والطوبجية والسواري الموجودون بمصر. بدون أن يتخلف منهم أحد. وتوجهوا إلى عابدين بعد إعلام قناصل الدول بتلك الطلبات الشرعية الحقة. التي لا ينكرها منصف أبدًا. وكان توجههم بغاية الأدب والسكون بصفة عرض الجيش على الحضرة الخديوية. نلتمس من حضرته العلية منح الأمة المصرية التي نحن أبناؤها ووكلاؤها في طلب تلك الطلبات الحقة. فمنحها ذلك وانصرف الكل شاكرًا لجنابه العالي على ما ذكر.. والإعراضات المقدمة من أعيان الأمة المصرية تقدمت جميعها لدولتلو شريف أيضًا عما حصل من القصور في هذه المادة. علمًا بأن تلك الطلبات جميعها هي من أقصى آمال الحضرة الخديوية وسبق التصريح بها في الدكريتو الصادر من جنابه الرفيع في أول ولايته".

وهنا يسأل رئيس القومسيون سؤالاً غريبًا.

فيقول له : لو فرض أن الحضرة الخديوية لم تسلم في هذه الطلبات.. فماذا كان يحصل؟.

فيرد عليه أحمد عرابي: نحن واثقون بكرم الخديوي ووفائه بوعده السابق في أول دكريتو صدر من جنابه الكريم. كما ذكرنا في جوابنا المتقدم حيث إن ذلك كان من أقصى آماله.

يقول له رئيس القومسيون: لم يوجد إذن وجه لتوجهكم بالعساكر والجبخانة معهم والإحاطة بالسراي بهذه الكيفية؟.

يرد عرابي قائلاً : البلاد التي لا يكون بها مجلس نيابي يحفظ للأمة حقوقها في كافة أقطار الأرض يحصل فيها أكبر من ذلك. وتراق فيها كثير من الدماء، وهذا لا يخفي على كل متذكر. ونحن بحمد الله لم يحصل أدنى شيء يخل بالراحة بخصوص هذا الطلب. وقد قلت إن حضور العساكر ما كان، إلا بالنسبة في هيئة عرض أنفسهم. ومع ذلك فقد صدر عفو الخديوي الذي شمل ما حصل في تلك المادة من القصور.

وأنا من أبناء مصر
وهنا يحاول رئيس القومسيون أن يؤكد في استجوابه أن أحمد عرابي لم يكن نائبًا عن الشعب المصري كله.

فيقول له : تدعي أن الأمة أنابتك أنت والضبطان في طلب تلك الطلبات التي ذكرتها. لكن الأمة المصرية عبارة عن خمسة ملايين ولا يتصور أنه صار توكيلكم أنت والضبطان من هذا القدر.. وحيث إنك تدعي أيضًا أنه تقدم إعراضات من نحو الألفي شخص من أهالي البلاد إلي دولتلو شريف باشا مباشرة. فيعلم عدم توكيلكم من طرف أحد من الأمة المصرية كما تدعون. فإن كان بيدكم والحالة هذه توكيل أبرزوه. وخصوصًا أن الأمة المصرية وأعيانها جميعًا موجودون. فبين ولو نحو عشرين من الأعيان الذين نوبوكم حتى باستجوابهم تتضح الحقيقة؟.

لكن عرابي يفحم رئيس القومسيون قائلاً: مهما كان تعداد أي أمة من الأمم فإنها تكون مرءوسة برؤساء يسمونهم المشايخ والعمد. ويطلق على هؤلاء الرؤساء لفظ الكل أعني الأمة. وعلى ذلك فرؤساء البلاد النائبون عن الأهالي هم الطالبون لتلك الطلبات. وهم الذين قدموا إعراضاتهم والتي كان أغلبها بطرفي في ذلك اليوم. ومن هؤلاء العمد والأعيان تركب مجلس النواب. والدليل علي أنهم أنابوني في طلب طلباتهم وجود نحو الألفي عمدة في ذاك اليوم. وإلحاحهم على دولتلو شريف باشا بقبول الرياسة عند حضوره من الإسكندرية إلى مصر. ولوثوقهم بي تراموا بأجمعهم على أعتاب الحضرة الخديوية لبقائي في نظارة الجهادية. حين انحلت نظارة محمود باشا سامي.. أفكل هذا لا يكون دليلاً على توكيلهم إياي ووثوقهم بي، على أني ومن معي من الضبطان والعساكر جميعنا من أبناء البلاد الذين تشملهم تلك الحقوق الوطنية.

وعندما يسقط في يد رئيس القومسيون يلجأ لنفس النظرية القائلة بعدم وجوب تدخل العسكريين في السياسة.

فيقول لعرابي : وظيفتك كانت ميرالاي جهادي وقوانين العسكرية لا تسمح لك بالتداخل في الأمور الإدارية فكيف تداخلت في ذلك وأغريت باقي الضباط الذين اتبعوك. هل الخديوي ونظاره وباقي حكامه كانوا محجوبين عن الأهالي وما كان أحد يمكنه الوصول إليهم حتى تداخلتم في أمورهم بهذه الكيفية؟.

يرد الزعيم أحمد عرابي قائلاً: قدمنا بأجوبتنا المتقدمة أن من كان له حق أو حاجة وتحال إلى أي مجلس أو أي ديوان، يموت بغصته دون أن يتحصل على شيء منها. فمن أجل ذلك ولشمولنا مع أهلينا بحقوق واحدة حصل ما تقدم. بدون أن تسقط رأس إنسان واحد. وما كانت لأغوي الناس بل كنت حافظًا نظامهم وموقفًا لحركات أفكارهم الشديدة والمتضارب بعضها لبعض. فهم الذين أناطوني لأسير بهم في منهج الاستقامة حفاظًا للنظام العام. ولولا ذلك بل لولا وجودي لما أمكن توقيف ذلك التيار المنبعث من قلوب مختلفة وأفكار متضاربة. وهذا شيء لا يخفى على كل ذي بصيرة.

ليلة أبي سلطان
ويبدو أن رئيس القومسيون لا يعرف اليأس. ولا يريد للاستجواب نهاية. سوى نهاية واحدة هي إدانة أحمد عرابي.

فيقول له : في أول دفعة في واقعة يوم 4 فبراير سنة 1881 طلبتم عزل ناظر الجهادية وأصررتم على ذلك بطريقة خارجة عن القانون وتحصلتم على مقصودكم وعفا عنكم جناب الخديوي كما قيل منكم.. وفي واقعة يوم 9 سبتمبر 1881 أشهرتم السلاح وأحطتم بسراي الحضرة الخديوية بالمدافع وهددتموها. وتحصلتم على طلبات خارجة عن وظائفكم وهي إحداث مجلس النواب وسقوط وزارة دولتلو رياض باشا وما أشبه. وقلتم إن الحضرة الخديوية عفت عنكم أيضًا. فبدلاً من مقابلة هذه النعمة التي تحصلتم عليها بالشكر لم يمض نحو شهر حتى توجهتم ذات ليلة لمنزل سلطان باشا رئيس مجلس النواب في ذلك الوقت وأحضرتم ضبطان العسكرية المتعصبين معكم، وهناك أمام من وجد من النواب والعلماء تلوتم خطبة بالقدح في الحضرة الخديوية وعائلته الشريفة. وختمتم خطبتكم بإعلان خلع جنابه العالي. وقلتم إن من يكون معكم في هذا الرأي يقوم واقفًا. ولما لم يرد أحد من الحاضرين القيام خلاف الضباط هددتم أنت ومحمد عبيد حال كونه شاهرًا سيفه. حتى حصل من ذلك اضطراب وغاغة بمنزل سلطان باشا. واندهش أهل البلد خصوصًا وأنك أمرت وقتها أحد الضبطان الحاضرين وهو خليل كامل الميرالاي باستعداد الآلاي للهجوم على سراي الإسماعيلية محل إقامة الحضرة الخديوية.. فهل يجوز وقوع ذلك منكم بعد توصلكم لكافة طلباتكم من الحضرة الخديوية وانغماركم بإحساناتها؟.

يسأله أحمد عرابي: أي ليلة هذه.. وفي أي تاريخ حصول ذلك.. أرجو تذكيري.

رئيس القومسيون : في ثاني ليلة سقوط وزارة محمود سامي التي كنتم فيها بصفة ناظر الجهادية.

يرد عرابي قائلاً : إني لم أطلب لنفسي شيئًا قط.. بل تلك الطلبات كانت على حساب ما سبق إيضاحه. وإني دائمًا محترم وحافظ للحضرة الخديوية ولم يقع مني أدنى تهديد أصلاً. بل كنت كسور عظيم البنيان مانع لتلك الأفكار السريعة. وكنت أظن أن تلك خدمة لا تغيب أهميتها عن أفكار أولي العدل والإنصاف.. أما تلك الليلة المعروفة بليلة أبي سلطان فللحق أقول إنه لما تحقق للحضرة الخديوية استقامتي وحسن خدماتي منحتني رتبة اللواء ووجهت إلى عهدتي مسند نظارة الجهادية. كل ذلك دليل على حسن رضائه عني. إلى أن انحلت نظارة محمود سامي باشا التي كنت ضمنها. لأسباب معلومة كانت نتيجتها من المحاربة الشنعاء. وهي الاختلاف الذي وقع بين النظارية المذكورة وبين الحضرة الخديوية في قبول اللائحة المتقدمة من قنصلي إنجلترا وفرنسا وعدم قبولها بطرفنا. وكان صار طلب مجلس النواب للنظر في هذه الاختلافات وإناطته بتسويتها. ولما لم يجد ذلك نفعًا حصل الاستعفاء وكنت بمنزلي فصار طلبي بتلك الليلة إلى بيت رئيس مجلس النواب. حيث كان جميع أعضاء المجلس موجودين فيه ومنتظرين حضوري. فلم أر بدًا من التوجه إليهم.

ويروي عرابي ما حدث في بيت سلطان باشا قائلا: توجهت إلى هناك بمفردي ولم يكن معي أحد. وبحضوري كلفوني بأن أداوم علي ملاحظة العسكرية وحفظ الراحة العمومية داخل البلد. فأجبتهم بأني استعفيت من مسند نظارة الجهادية مع إخواني وقبل ذلك لدى الحضرة الخديوية فلا يمكنني أن ألزم نفسي بما لا يمكنني إجراؤه.

فأجابني رئيس النواب ومن معه: إننا نحن نواب الأمة وقد كلفناك بهذه الخدمة. وإننا متوجهون إلى الحضرة الخديوية لنلتمس منها بقاءكم في نظارة الجهادية.

"ثم دار الكلام في الأسباب التي أوجبت الاستعفاء. وما كان من أمر اللائحة المتقدمة من قنصلي إنجلترا وفرنسا. وما يئول إليه أمر البلاد إذا حصل قبولها، وما كانت عليه البلاد قبل ذلك. وكان جميع أعضاء مجلس النواب كارهين لأمر هذه اللائحة وكارهين للأسباب التي انبنى عليها تقديمها. وأجمع أمرهم على عدم قبول هذه اللائحة وجميعهم أعطي قوله على ذلك. وكان من رأيهم عمومًا التسليم في عزل الخديوي ولا يسلمون في قبول اللائحة أبدًا. واشتدت حركة الأفكار ومكث هذا التضارب الناشئ من تلك الحركة مدة تزيد عن أسبوعين إلى أن قبل سعادة راغب باشا رياسة مجلس النظار. وصدر من الحضرة الخديوية عفو عام عن جميع ما يتعلق بهذه المسألة وما قبلها. لكثرة تشعب الأفكار والأفعال بجميع مديريات البلاد. وبناء على هذا العفو تشكلت النظارة المذكورة. وصدر أمره الكريم بتعييني ضمنها. ثم لما كنت بدون نيشان من نياشين الافتخار أحسن عليّ بطلبه النيشان المجيدي من الدرجة الأولي من الحضرة السلطانية خصوص. وما ذلك إلا إعلان رضاء عني.. هذا هو الحق الذي حصل ولم يسبق صدور أمر لخليل كامل ولا لغيره كما ذكر وما قيل غير ذلك لا أصل له البتة.

وحان وقت الغروب
كان استجواب أحمد عرابي قد استغرق يومًا بطوله. فقرر رئيس القومسيون تأجيل استمرار التحقيق إلى اليوم التالي.

وكتب في نهاية محضر الاستجواب: ".. ثم استصوب إعادة أحمد عرابي إلى السجن. حيث إنه قد حان وقت الغروب"!







    رد مع اقتباس
قديم 03 - 03 - 2013, 19:49   #3
معلومات العضو
dr moustafa
أستاذ مساهم
 
الصورة الرمزية dr moustafa
 

المعلومات الشخصية






علم الدولة : Egypt

dr moustafa غير متصل

 

 

 

Moving "محاكمة زعيم" .. قصة حب أنقذت عرابي ورفاقه من السجن (3ـ9)


"محاكمة زعيم" .. قصة حب أنقذت عرابي ورفاقه من السجن (3ـ9)

الأربعاء 2013/2/27 7:16 م









تأليف ـ محمود صلاح

ربما لم يشهد تاريخ القضاء المصري مثل قضية محاكمة أحمد عرابي زعيم الثورة العرابية، هذا الضابط الفلاح الذي جاء من أعماق الريف المصري ورغم أنه تبوأ أكبر المناصب العسكرية حتى أصبح ناظرًا للجهادية إلا أن المنصب الكبير والرتب والنياشين لم تمنعه من أن يعلن الثورة على الخديوي من أجل كل المصريين. وأن يتصدى بكل جسارة وشجاعة لأساطيل وجيوش المحتل البريطاني.

إن وقائع محاكمة عرابي وأسرار القضية التي لم تذع من قبل. هي أشرف وسام للمواطن المصري.

ومن ناحية أخرى فإن تفاصيل القضية ومحضر استجواب أحمد عرابي، وحكم إعدامه الذي استبدل به النفي إلى الأبد من الأقطار المصرية، ستظل بكل ما فيها من أسرار وتناقضات شاهدًا على تاريخ مصر العظيمة وشجاعة رجالاتها الأوفياء، وكيف حاول – ويحاول – اللصوص والمنافقون تزييف هذا التاريخ برذاذ أسود وزبد الفقاعات الهشة. لكن الثوب يبقى ناصعًا رغم الرذاذ، والزبد دائمًا يذهب هباء.

ويكفي أن تهمة أحمد عرابي كانت الخيانة العظمى لأنه أبى الاستسلام وأصر على الدفاع عن مصر ضد الإنجليز.

عندما تناولت التحقيقات مع أحمد عرابي واقعة القبض عليه أول مرة لمحاكمته أمام مجلس عسكري وحضور قوات من الجيش قامت بإطلاق سراحه ورفاقه المعتقلين، لم تتطرق هذه التحقيقات إلى ملابسات الواقعة وظروفها. ولم تتضمن الأوراق الرسمية لاستجواب أحمد عرابي هذه الملابسات. ولا كيف كانت قصة حب شريفة طاهرة، بين فتاة من أسرة كريمة وأحد زعماء الثورة العرابية هو علي بك فهمي، وراء إنقاذ عرابي ورفاقه من السجن أول مرة!

وبطلة القصة المثيرة كان اسمها "بهيجة هانم" وكانت ابنه ضابط تركي كبير في الجيش المصري آنذاك هو الفريق إسماعيل باشا الجركسي:

كانت "بهيجة هانم" فتاة في حوالي العشرين من عمرها. رشيقة القوام رائعة الجمال ذات شعر أصفر كالذهب وعيون خضراء تبدو في نظرتها حقول مترامية الأطراف لا نهاية لها.

وقد شاء القدر "لبهيجة هانم" أن تقع في حب "علي بك فهمي" لكنه كان حبا عذريا ومن طرف واحد.. هو طرفها.

كانت "بهيجة هانم" وقريبتها "إقبال هانم" قد سمعتا من الجيران أن ضابط الجيش الكبير "علي بك فهمي" تعود أداء صلاة فريضة العصر في مسجد السيدة زينب. الذي تترددان عليه بين الحين والحين لزيارة مقامها الشريف. وقررت الاثنتان أن تذهبا إلى مسجد السيدة زينب في أحد الأيام قبل صلاة العصر، لعل الفرصة تتاح لهما لإلقاء نظرة على ذلك الضابط الجسور الذي يتحدث عنه الناس بالإعجاب والفخر.

وفي مقاله "الرسالة التي أنقذت عرابي ورفاقه" يروي أحمد عبد المجيد الفقي تفاصيل ما حدث في ذلك اليوم قائلاً: "أمام مسجد السيدة زينب وقفت ثلاث نساء إحداهن شابة رائعة الجمال هي بهيجة هانم، والثانية أكبر منها وهي قريبتها إقبال هانم التي هي من ذوات الحسن الكامل. ومعهن جارية سوداء شابة. نشيطة الحركات في المحافظة على سيدتيها من الزحام. مع حسن الذوق والأدب في معاملة من حولها وخاصة سيدتيها. وهي بهذه الصفات تسترعي حب كل من يراها ونظره، وكان اسمها سعيدة.

ودارت بين النسوة الثلاث مناقشة موجزة فهم منها أنهن في غاية الخوف والحرج، لأنهن جئن لمشاهدة الضابط علي بك فهمي. فهمن مرتبكات أشد الارتباك بين كونهن يزرن مقام السيدة زينب. أو يفضلن الانتظار خوفًا من حضوره في أثناء وجودهن بالمسجد.

ودارت بينهن المناقشة حول المكان المناسب ودرجة قربه أو بعده من الباب. ثم خرجن من المناقشة كلها فجأة. حين تشير "سعيدة" في سرعة إلى قادم من بعيد قائلة:

ها هو ذا.. سيدي علي بك فهمي.. قربوا شوية عند الباب قربوا.

فقالت السيدة إقبال هانم: ليس في الإمكان أن نقترب أكثر من ذلك.

ويصل الضابط الرزين المهيب علي بك فهمي أحد أبطال الثورة العرابية بخطوات ثابتة ويخلع حذاءه في تأن وهدوء.

وتكون فرصة سانحة لبهيجة هانم لكي تملأ عينيها من محياه وحسن هيئته. ويدخل هو.

ويعدن إلى المناقشة حول مكان الانتظار في أثناء خروجه، وتمر عليهن دقائق الصلاة القليلة، وكأنها ساعات من فرط الخوف والارتباك ويأخذن مكانهن. وإذا بزحام الخارجين من الصلاة يجرفهن جرفا. فيكدن يقعن لولا قوة شباب "سعيدة" البدينة وتمسكها وشدة محافظتها على سيدتيها.

وتعود "بهيجة هانم" وقريبتها "إقبال هانم" وجاريتهما "سعيدة" إلى المنزل الذي هو في أحد الشوارع القريبة من باب اللوق، تلك المنازل القديمة الفخمة ذات الأثاث المرتب النظيف والخدم والجواري والأغوات.

وهذه السراي على النظام التركي القديم، حيث يجد الداخل على يمينه "السلاملك" وهو المكان المعد لاستقبال الرجال. وإلى اليسار "الحرملك" وهو المكان المعد للحريم. ومن المعروف في ذلك الحين احترام المصريين لتقاليد الحجاب احتراما كاملاً. فالنساء في عزلة تامة عن الرجال.

وهذه السراي هي سراي الفريق إسماعيل باشا الجركسي وتتجه ثلاثتهن نحو الحرملك فتستقبلهن سيدة جركسية ذات جمال ووقار وهيبة. وهي والدة "بهيجة هانم" وتبادرهن بالسؤال عن زيارتهن لمسجد السيدة زينب وكيف كانت الزيارة وهل قرأن الفاتحة. وهل دعون لوالدي بهيجة؟

فتجيب "إقبال هانم" عن كل الأسئلة بصفتها أكبر من بهيجة ابنة خالتها وصديقتها الحميمة. كما هو معروف في وسطهن العائلي منذ طفولتهما المبكرة.

ثم تنفرد بهيجة وإقبال..

وتدور بينها المناقشات ويظهر من تلك المناقشات أن "بهيجة هانم" أحبت "علي فهمي" منذ أول نظرة شاهدته فيها وهو متجه إلى السلاملك.. وكان هي في إحدى النوافذ المطلة. ثم رأته بعد شهور في حفل زواج دعيت إليه والدتها فاستصحبتها ورأت في تلك الليلة علي فهمي داخلا مع بعض المدعوين.

وتمضي الأيام وراء الأيام.

والأسابيع تلو الأسابيع.. والشهور بعد الشهور. وتلك الفتاة الجركسية الجميلة "بهيجة هانم" تعاني من حب علي فهمي ما تعانيه. سجينة في التقاليد وراء الحجب الكثيفة التي تحول بين الفتيات بوجه خاص وبين الرجال، في عصر الحجاب المعروف. على أمل أن تحدث مصادفة سعيدة بل تقع معجزة ويرسل علي فهمي من يخطب بهيجة من والدتها.

ولكن القدر كان يخبئ الشقاء للعاشقة الصغيرة!

يكمل أحمد عبد المجيد الفقي القصة قائلاً: ولكن بدل أن يأتي ذلك اليوم بوجهه المشرق. أتي يوم عبوس بشقائه وويله. فقد وقفت الجارية السوداء سعيدة عند أعلى سلم الحرملك ترتكن على أحد الأعمدة في نحيب وحزن وأمل عميق من أجل سيدتها.

وهذه هي "إقبال هانم" قد وصلت.

ونزلت إليها "سعيدة" مسرعة وأخبرتها أنها علمت أن "علي بك فهمي" قد تزوج منذ أمد بعيد. وأنها ترجو "إقبال هانم" أن تنقذ سيدتها "بهيجة هانم" من هذا الحب الذي أصبح ليس وراءه أمل. وليس من الاستمرار فيه أية فائدة.

فأجابتها "إقبال هانم" بأنها لا تستطيع أن تخبر "بهيجة هانم" بهذا الخبر الذي سيكون من غير شك صدمة قاتلة لها.

فتتوسل إليها الجارية "سعيدة" بكل أنواع التوسل..

لكن إقبال هانم تصر على الرفض!

وصعدت الاثنتان معا، تحملان حزنهما وتكتمان دموعهما.. إلى أن وصلتا عند "بهيجة هانم" التي لاحظت عليهما لأول وهلة ما تخفيان من دموع وحزن.. فسألتهما في إلحاح وأصرت على أن تعرف ما تخفيان.. وأصرت الاثنتان على الإنكار والتهرب ومحاولة إبعاد ذهنها عن هذه الأسئلة. إلى أن استطردت "إقبال هانم" وبعبارات سلسلة ذكرت أنها مرت بالفترة التي تمر بها "بهيجة هانم" الآن.

وقالت لها : لقد أحببت مثلك ضابطا وسيما شجاعا شريفا، ولكن القدر والقسمة ساقا إليّ زوجي الحالي الذي تعرفين أنت شرفه وكرم أصله. كما تعرفين أيضًا أن زواجنا كان موفقًا من جميع الوجوه ولله الحمد. حيث رزقنا ولدا وبنتا.. كل قلبي وكل حبي لهما الآن.

وأخيرا.. يصل الحديث إلى نهايته المفجعة.

وتشترك الجارية "سعيدة" مع "إقبال هانم" في إخبار "بهيجة هانم" أن "علي بك فهمي" قد تزوج منذ أمد بعيد.

ولا حاجة لكاتب أن يصف وقع هذا الحديث من نفس بهيجة، فإن وقوع الصاعقة أهون من وقوع مثل هذا النبأ عليها.. ومن المؤسف أنه لم يصل إلى النتيجة التي كانت تريدها "إقبال هانم" والجارية "سعيدة" وإنما وصل ببهيجة إلى نتيجة معكوسة تماما.

لقد زاد وجد الفتاة وزاد حبها "لعلي بك فهمي".

إنه الحب

الحب الذي لا أمل لصاحبه من ورائه.. الحب المجرد عن الغرض.

لكن.. كيف دخلت قصة الحب اليائسة هذه تاريخ الثورة العرابية؟.

يكمل أحمد عبد المجيد الفقي قائلاً: دبر عثمان رفقي مكيدة لإيقاع أحمد عرابي وعلي فهمي وعبد العال حلمي في الفخ.. فحرر إلى كل منهم خطابا رسميا بالحضور إلى نظارة الحربية لترتيب الاحتفالات لزفاف الأميرة "جميلة هانم" شقيقة الخديوي توفيق.

وبالطبع عرف بالمؤامرة إسماعيل باشا الجركسي وعندما عاد إلى منزله دخل على زوجته واجما مضطربًا في تفكير عميق.. ولاحظت ابنته "بهيجة هانم" هذه الحال السيئة. ولكنها لم تجرؤ على توجيه أي سؤال إليه.

وانتظرت حتى دخل عند والدتها التي أخذت تسأله في دهشة عن سبب ما هو فيه. وهو يداور ويحاور إلى أن تغلبت عليه. فأفضى إليها بكل ما حدث وبهيجة واقفة وراء أحد الأبواب القريبة تسمع. وهي ترتعد غيظًا واضطرابًا وخوفًا على الرجل الذي أعجبت به "علي بك فهمي".

ثم عادت إلى غرفتها.

وظلت في قلق وحيرة مدة طويلة.

وأخيرًا عندما طلع النهار كتبت رسالة وسلمتها إلى جاريتها "سعيدة".

استيقظ "علي بك فهمي" من نومه وتوضأ وأدى فريضة الصلاة. وارتدى ملابسه وقدمت إليه زوجته الإفطار وطلب بعض أطفاله الصغار وداعبهم.

ولم يكد يغادر منزله حتى فاجأته الجارية السوداء "سعيدة" بتحية الصباح.. وتقدمت إليه مسرعة وقبلت يده.. وسلمته ورقة صغيرة.. كانت رسالة "بهيجة هانم" إليه.

وكانت سطور الرسالة تقول "نحيط علم سيادتك أنه تقرر محاكمة سيادتك وأحمد بك عرابي وسعادة عبد العال حلمي. أمام مجلس عسكري بنظارة الحربية. ستصلكم دعوة بزفاف البرنسيسة. الدعوة كاذبة وهي للمحاكمات".

وما كاد "علي فهمي" ينتهي من قراءة الرسالة. ويلتفت حوله. حتى كانت الجارية "سعيدة" قد اختفت تماما!

ابتسم "علي فهمي" استهزاء وفرك الرسالة، وكاد أن يلقيها على الأرض لكنه فكر قليلاً ثم استبقاها في أحد جيوبه.. ومضي في طريقه.

عندما وصل "علي فهمي" إلى مكتبه بديوان الحرس. حيث كان حكمدارا لهذا الحرس في ذلك الحين.. وما كاد يجلس إلى مكتبه حتى استأذن في الدخول عليه أحد ضباطه.. وسلمه خطابا من نظارة الحربية ولما خرج الضابط فض الخطاب وإذا به تذكرة الدعوة لزفاف البرنسيسة أخت الخديوي!.

هب "علي فهمي" واقفا في انفعال شديد...

وأخرج الرسالة التي سلمتها إليه الجارية "سعيدة" ثم عاد وقرأ الدعوة التي وصلته من نظارة الحربية. بالحضور لترتيب إجراءات حفلات زفاف الأميرة.

وأخذ يتمشى في غرفة مكتبه ذهابا وإيابا في تفكير وغيظ.. ثم عاد وجلس إلى مكتبه يفكر. وهكذا ظل في قيام وجلوس ومقارنة بين الخطابين.

وأخيرا دق جرسا..

فدخل عليه أحد الجاويشية فطلب إليه استدعاء البكباشي محمد عبيد.. فذهب الجاويش وبعد برهة وجيزة دخل البكباشي محمد عبيد.. وأدى التحية العسكرية وألقى تحية الصباح ثم سأل في أدب شديد عما تم في شأن العريضة التي تسلمها رياض باشا ليرفعها إلى الخديوي.

فأمره علي فهمي بالجلوس.

وبعد أن جمع شتات أفكاره.

قال للبكباشي محمد عبيد: يخيل إليّ يا بكباشي عبيد أن الأمور تسير في الطريق الذي توقعناه.. الطريق السيئ!.

رد البكباشي محمد عبيد: فليكن.. ولكن كيف يا سعادة الأميرالاي؟

أخرج علي بك فهمي خطاب "بهيجة هانم" وناوله إياه، وما كاد عبيد يقرؤه حتى هب واقفًا.

ثم جلس وقال: أظن أن هذا تدبير جرئ لا يقوى عليه إلا مجرم جريء. وهؤلاء الجراكسة أخبث من ذلك.

أشار عليه علي فهمي بالهدوء.. ثم ناوله خطاب وزارة الحربية. فما كاد يقرؤه حتى وقف كالمجنون، وهو يقول:

مستحيل.. مستحيل لا يمكن أن يتم هذا الإجرام أبدا يا سعادة الأميرالاي.

رد عليه علي فهمي: يريدون أن يذبحونا كما ذبح محمد علي المماليك حينما دعاهم إلى الوليمة.

عاد محمد عبيد يرد: مستحيل.. مستحيل ولن يتمكن هؤلاء القتلة المجرمون من تنفيذ مأربهم.

أمره علي فهمي بالجلوس والهدوء والتفكير لأنه لم يبق على تنفيذ هذه المكيدة إلا دقائق. فجلس وأخذ يجمع شتات نفسه. ويحاول السيطرة على أعصابه بجهد شديد.

واعتمد علي بك فهمي برأسه على يده.

وأخذ يفكر طويلاً.. ثم رفع رأسه.

وقال : طبعا لن أذهب إلى نظارة الحربية. ولكن فات الوقت الذي كنا نستطيع فيه تحذير عرابي وعبد العال بك.

وقف البكباشي محمد عبيد وقال: بل ستذهب يا سعادة الأميرالاي وستجد زميليك هناك. وسألحق بكم بعد دقائق!

دهش علي فهمي من كلام محمد عبيد، الذي تابع حديثة قائلاً: تفضل يا سعادة الأميرالاي تفضل وسألحق بكم.

سأله علي فهمي في غضب: وماذا تفعل بنا.. أو نفعل بك؟.

قال البكباشي محمد عبيد: سيذهب معك غير حرسك الخاص الضابط نجم أفندي فإذا وجد أن الأمر صحيح يعود إلي فورا ومن نظارة الحربية وثبة واحدة بجواد سريع وعليّ أنا ترتيبات إنقاذكم من هؤلاء القتلة الأوغاد.

لم يقتنع علي بك فهمي بسهولة في أول الأمر.

لكنه استطاع تحت تأثير شجاعته وحماسة البكباشي عبيد.. الاطمئنان بعض الشيء إلى حسن هذه الترتيبات ووجاهتها.

لكن من المحقق أنه يسير إلى الموت.

ومن المشكوك فيه أن تحدث النجاة.. وما كاد يصل إلى نظارة الحربية. حتى قوبل أسوأ مقابلة وأحقرها من صغار الضباط الجراكسة وجنودهم الذين أحاطوا به بمسدساتهم.. فرحين بأن الشخص الثالث وصل، عاملوه بمعاملتهم نفسها لزميليه من السب والشتم والاحتقار. إلي أن دخل القاعة التي انعقد فيها المجلس العسكري المزيف لمحاكمتهم محاكمة صورية يحكم عليهم بعدها بالإعدام!.

وجد علي فهمي أن أحمد عرابي وعبد العال حلمي قد وصلا من دقائق قليلة.

ورأى أحمد عرابي قد صدر إليه الأمر من رئيس المجلس بأن يسلم سيفه وشارات رتبه. لكن عرابي يأبى فيأمر رئيس المجلس باستعمال القوة.

وهنا يشير علي فهمي بعينيه إلى أحمد عرابي بألا يقاوم وأن يسلم السيف والشارات. ويسلم هو سيفه وشاراته وفعل كذلك عبد العال حلمي.

ثم تلي أمر المحاكمة بسرعة.

وسيق الثوار الثلاثة بيد حقير من الجراكسة إلي السجن وذهب إليهم كبار الجراكسة يشتمونهم وعلى رأسهم خسرو باشا.

وبينما كان ذلك يدور بقاعة الجلسة.

كان الضباط نجم أفندي قد عاد إلى البكباشي محمد عبيد وهو يركض بجواده في دقيقة واحدة. وأخبره بما كان من اعتقال عرابي وعبد العال وعلي فهمي.

فأمر عبيد بضرب البروجي لخروج الأورطتين بالحرس الخديوي في حالة خطر سريع. فخرجتا في الحال، فجاء القائمقام خورشيد بك الذي كان يعلم بالمؤامرة فيما يظهر. وهو الوكيل الرسمي لعلي بك فهمي.

ونهى خورشيد بك البكباشي عبيد وأمر برجوع الأورطتين. لكن محمد عبيد بكل شجاعة وجرأة يتطلبهما الموقف أصدر أمرا بوثاق خورشيد بك وحبسه.

ونفذ الضابط والجنود الأمر في ثوان!

وسار محمد عبيد بقواته إلى نظارة الحربية بثكنات قصر النيل بالخطوة السريعة في اصطلاح الجيش.

وفاجأ المجلس العسكري والضباط والجنود الجراكسة الذين كانوا يهينون أمراء الجيش الثلاثة.. مفاجأة تاريخية مثيرة لا يتخيلها كاتب روائي.

فأسرع كثير من الجراكسة وأخبروا رئيس المجلس. وسمع الأعضاء أيضًا ففروا إلى الأبواب الخلفية المطلة على النيل وركبوا الزوارق بل ألقى بعضهم بنفسه في النيل.. سواء أكان يعرف العوم أم يتعلق في أحد الزوارق.

وذهب محمد عبيد يتبعه الضباط الشبان وأخرجوا الأمراء الثلاثة. فسارع عرابي في حزم وثقة إلى الضباط والجنود وطلب منهم ألا يصيبوا أحدًا بسوء.

ويلمح أحمد عرابي في هذا الموقف الرهيب إسماعيل باشا الجركسي. فيبادر إليه ويعانقه أمام الضباط والجنود ويقول:

هذا الباشا جركسي.. ولكن أنا أعانقه وأقبله أمامكم. لكي تعلموا أن هؤلاء الضباط إخواننا ولا ذنب لهم. إنهم كانوا منفذين لأوامر من هم أعلى منهم فقط. ونحن لا نريد الانتقام إنما نريد العدل والإنصاف والمساواة.. إن هذا الباشا أخي وأخوكم، حرام علينا دمه وماله وعرضه.

ثم التفت أحمد عرابي ناحية البكباشي محمد عبيد.

وقال له : يا بكباشي عبيد.. "اجمع".

وهو اصطلاح عسكري معناه صدور الأوامر من الضابط الأعلى إلى الجنود بالتجمع في النقطة التي يحددها.

فصدع عبيد للأمر.. وأصدر أوامره للأورطتين فانصرفتا وضباط وجنود الجراكسة لا يصدقون أعينهم من أن الثورة عفت عنهم.

وهكذا لم تنقذ رسالة "بهيجة هانم" زعماء الثورة العرابية الثلاثة فقط من السجن. بل أنقذت دون أن تدري حياة والدها إسماعيل باشا الجركسي.







    رد مع اقتباس
قديم 03 - 03 - 2013, 19:51   #4
معلومات العضو
dr moustafa
أستاذ مساهم
 
الصورة الرمزية dr moustafa
 

المعلومات الشخصية






علم الدولة : Egypt

dr moustafa غير متصل

 

 

 

Moving "محاكمة زعيم"..عرابي ورجاله يردون علي المصحف قسم الثورة خلف الشيخ محمد عبده (4-9)


"محاكمة زعيم"..عرابي ورجاله يردون علي المصحف قسم الثورة خلف الشيخ محمد عبده (4-9)

الخميس 2013/2/28 4:51 م












تأليف ـ محمود صلاح

ويستمر استجواب الزعيم أحمد عرابي بعد إحضاره من سجنه، ويبادر رئيس القومسيون الذي يحقق معه بسؤاله لماذا لم يستجب لنصيحة "دولتلو درويش باشا مندوب الحضرة السلطانية" بقبول اللائحة والخروج من القطر؟.

فيرد أحمد عرابي قائلا: إن اللائحة المذكورة متقدمة من جناب قنصلي إنكلتره وفرنسا، عن رأي ارتآه سلطان باشا كما هو واضح بها. ولم تكن صادرة عن تعليمات دولهما. وكان تقديمها عقب حضور المراكب الحربية إلى ثغر الإسكندرية. ولما حضر الوفد العثماني تحت رئاسة دولتلو درويش باشا. ورأى البلاد المصرية في غاية الهدوء والسكون، ولم يكن بها أدنى شيء يدل على ما يوجب تلك الارتباكات.

كما أنه رأى الجيش المصري في غاية الطاعة والانقياد، ملازما لخدماته وواجباته العسكرية. وعرض ذلك على الباب العالي بالآستانة، ترتب علي ذلك تشريفنا بالنيشان المجيدي. ولما أخبرني دولتلو بذلك التزمت بعرض تشكراتي تلغرافيا على الحضرة السلطانية. وتشرفت بقبولها وإجابتي تلغرافيا بحصول الممنونية للحضرة السلطانية، مما أديناه من حسن الخدمة والطاعة والانقياد. كما حضرت جملة نياشين برسم ضباط الجيش إعلانًا عن حسن طاعته وانقياده، ولكن لم يسع الوقت لإعطاء النياشين لأربابها، لمفاجأة الضرب على الإسكندرية، وكان دولتلو درويش باشا قد أخبرني أنه يرى لزوم توجهي للآستانة تحت كنف الذات الشاهانية.

فقلت له: إني أود ذلك بل هو أعظم شيء أتمناه، ولكني لتعلق الناس بي وازدحامهم علي في كل وقت. بحيث إنهم لا يمكنوني من تناول لوازماتي المعاشية، أخشى أن يحولوا بيني وبين ذلك. إذ لا علم لهم أني أريد السفر إلي خارج القطر المصري، لما يتوقعونه مما يحيق بهم من الضرر في المستقبل، ويترتب علي ذلك حدوث فتنة داخلية، التي دائما نحاذر الوقوع فيها. وعند انتهاء الأمر وانصراف المراكب الحربية يمكن أن نحتال في كيفية التملص من هذا الأمر ونتوجه إلى الآستانة كما ترون دولتكم.

حتى لو خلع الخديوي

ويعود رئيس القومسيون مرة أخرى لإثارة ما حدث في مجلس النواب.

فيقول لأحمد عرابي: أنتم أحضرتم مجلس النواب بالفعل للمحروسة للخلاف الذي قيل منكم إنه حاصل بينكم وبين الحضرة الخديوية.. فلماذا لم يفتح المجلس ويعرض الخلاف عليه كما صممتم من قبل؟.

يرد أحمد عرابي: بحضور جميع أعضاء مجلس النواب وإخبارهم عن لزوم افتتاح المجلس رسميا للنظر فيما حصل من الخلاف وأسبابه، توجهوا للحضرة الخديوية، وطلبوا صدور أمره الكريم بافتتاحه فلم يسمح لهم. وعلى حسب فكري أنه حصل الإجماع على التسليم في خلع الخديوي ولا يمكن التسليم في قبول اللائحة، ولما استقر الرأي على ذلك. كنت جالسًا فقمت.

وقلت: من وافق على ذلك فليقم معنا.

"فقام الكل ولم يتأخر أحد. وقام رئيس مجلس النواب ومن لزم معه من الأعضاء وتوجهوا إلى سراي الإسماعيلية في تلك الليلة نفسها. وعرضوا بقائي وإلزامي بالراحة والأمن، وفي غد تلك الليلة حضر لي سعادة رئيس المجلس وسعادة سليمان باشا أباظة وغيرهم، وسلموني إرادة خديوية ببقائي في نظارة الجهادية. فتوجهت مسرعا لتأدية التشكرات الواجبة لحضرته العلية.

يعود رئيس القومسيون ليسأله: كان رأيك إذن مع رأي من استقر رأيهم من الحاضرين على عزل الجناب الخديوي؟

يرد أحمد عرابي قائلا: مما توضح يعلم أنه لشدة تأثير اللائحة المذكورة التي قبلها جناب الخديوي ما كان يمكن قبولها، ولو أدى ذلك لخلع الخديوي.. وأنا وكل الناس علي هذا الرأي.

لائحة إنكلترا وفرنسا
يقول له رئيس القومسيون: مذ كان محمود سامي رئيس مجلس النظار ومذ كنت أنت ناظر الجهادية.. استقر رأيكما على طلب النواب وأحضرتموهم بالفعل بدون أمر الحضرة الخديوية.. فلماذا أجريتم ذلك مع علمكم أنه مخالف للائحة النواب؟.

يرد عرابي : من مقتضى لائحة مجلس النواب أنه إذا طرأ أمر مهم في مدة غياب مجلس النواب. فعلى مجلس النظار تدارك هذا الأمر تحت مسئوليتهم عنه. عند انعقاد المجلس في السنة التالية. ولم يكن أمرًا مهما أكبر من خلاف يقع في مسألة بين الحضرة الخديوية وبين النظار. فلتدارك هذا الأمر وعدم خروجه عن يد أهل البلاد. استقر رأي مجلس النظار على طلب مجلس النواب، لينظر فيما حصل الخلاف فيه، أملاً في إصلاح الأمر قبل تعاظمه، وعلى ذلك جري طلب النواب.

رئيس القومسيون: اعترفت إذن بطلب النواب بدون أمر الحضرة الخديوية؟.

أحمد عرابي : أوضحنا أن طلب النواب بغير أمر الحضرة الخديوية ما كان إلا اعتمادًا على قانون مجلس النواب، وعلى أن ذلك جائز في الحكومات إذا داهم البلاد أمر يخل بشأنها. ولم يكن أمر أكبر من خلاف يقع بين الحاكم وحكومته.

رئيس القومسيون: ما هو الخلاف الذي وقع بين الحضرة الخديوية وبين النظار وترتب عليه طلب النواب بمعرفتكم؟.

أحمد عرابي: هو قبول الحضرة الخديوية للائحة جناب قنصلي إنجلترا وفرنسا وعدم قبولها من طرف نظار حكومته.

رئيس القومسيون: ماذا كان مضمون تلك اللائحة المقدمة من الدولتين؟.

أحمد عرابي : كان مضمونها سقوط النظارة وإخراجي من بلادي إلى أوروبا وإخراج وتبعيد علي فهمي وعبد العال إلى داخل القطر.

رئيس القومسيون : هل في معلومكم أن الجناب الخديوي قبل هذه اللائحة من قنصلي الدولتين؟.

أحمد عرابي : تقدم بأجوبتي ما يدل على ذلك.

رئيس القومسيون: كان الواجب إذن قبولها مثل ما قبلها الجناب الخديوي لكونكم تحت أوامره. وهو المناط من طرف الدولة العلية بامتيازات مخصوصة، ويجري الأحكام على حسب ما يتراءى له. بدون أن يعارضه أحد في داخل حكومته، فلماذا تجاسرتم على رد أوامره حيث إنه قبلها ولاسيما أن خروجك من البلاد بإشرافك ومرتباتك ما كان يترتب عليه ضرر؟.

أحمد عرابي: صحيح كان أولى خروجي إلى أوروبا وكنت أتمنى ذلك. ولكن أفكار الناس وقتها وحالة البلاد كانا يمنعاني من ذلك. بل من أي شيء أريد فعله. وأما ما ذكر من لزوم موافقة النظارة للحضرة الخديوية لما لها من الامتيازات الخصوصية.. فذلك لا يكون أمرًا لازمًا في الحكومات الثورية.

أقسمت على المصحف
هل صحيح ما قيل إن زعماء الثورة العرابية اجتمعوا ووضعوا أياديهم فوق المصحف..ثم رددوا قسمًا خلف الشيخ محمد عبده؟

ذلك ما سيظهر خلال استجواب أحمد عرابي..

يسأله رئيس القومسيون: زعمتم أن النواب موافقون لرأيكم ولرأي باقي النظار في ذلك الوقت، فلو كان ذلك حقيقيًا لأمكنهم بالاتحاد معكم فتح المجلس والنظر في أحوال البلاد بدون رخصة من الحضرة الخديوية، وحيث إنه لم يصر افتتاح المجلس بالفعل فيعلم أن النواب لم يكونوا متحدين معكم جميعهم كما قلتم؟.

يسمعه أحمد عرابي ردًا مفحمًا بقوله: لا أظن أن أحدًا من المصريين على اختلاف مذاهبهم يسمح بحصول تدخل أجنبي في بلاده. ومن ذا يعلم لكل ذي ذوق سليم أن الأمة المصرية بأجمعها لا تسمح بذلك التدخل. ولكن مجلس النظار ارتأى أن يسلك طريقًا سهلة لإزالة الخلاف وتسوية الحالة. وقد حصل فعلا ونجح في مسعاه بتشكيل نظارة راغب باشا التي صدر فيها عفو عام من الحضرة الخديوية. شاملا كل ما ينسب إلى تلك المسائل. إلا مسألة إسكندرية التي حدثت يوم 11 يونيه.

يقول أحمد عرابي : هذه العبارة لا حقيقة لها.. وإنما دائمًا في كل مجتمع يحصل فيه التذاكر بالاتفاق علي تحرير البلاد وتحسين حالتها والسعي في جلب المنافع لها ورفع المضار عنها بواسطة تنسيق قوانين عادلة تكفل لكل إنسان حقه. حتى يعيش أهل البلاد وأبناؤها في أرغد عيش مثل الأمم المتمدنة في كافة أرجاء المسكونة مع السعي في منع الأسباب التي تخل بالراحة العمومية. أو ينسب للبلاد ما يشين اسمها في تاريخ العالم بل نعتبر أهل البلاد جميعها ومن فيها من أجانب إخوة في الإنسانية، لهم ما لنا وعليهم ما علينا.. ولا يتعرض أحد لهم بسوء تلك هي المجتمعات التي كانت تحصل وليست في تاريخ مخصوص.

رسالة إلى وكيل الجهادية
يقول له رئيس القومسيون: أنت تنكر حلف هذا اليمين فإذا حضر الشيخ محمد عبده وغيره ممن كان حاضرًا. وقال بحصول ذلك أمامك.. فماذا تقول؟.

يرد أحمد عرابي: لم يحصل إنكار شيء.. بل إن ما أوضحته بجوابي هو شامل لما كان يحصل في مجتمعاتنا مع تأكيده بالأيمان الموثوق بها على عدم حصول الضرر لأحد من الناس.. وكان ذلك حرصًا علي الراحة العامة.

وهنا يبدأ رئيس القومسيون في سؤال أحمد عرابي عن دوره في أحداث الإسكندرية ويتهمه بالتورط فيها.

فيقول له: لما حصلت واقعة يوم 11 يونيو 1882 وتعيين قومسيون لتحقيقها بالإسكندرية وكان من أعضائه وكيل الجهادية، وبدلا من التنبيه منكم بالتمسك بالعدل والإنصاف وعدم الميل لأي طرف كان، نبهتم وأكدتم عليه بأن يجتهد في إبعاد الشبهة والتهمة بقدر الإمكان عن الأهالي والعساكر مع معلوميتكم ومعلومية الجميع بأن عساكر المستحفظين بالإسكندرية كان لهم مدخل كبير في هذه المقتلة، فمن تنبيهاتكم لوكيلكم يعلم أن وقوع هذه الحادثة إما أن تكون بأمركم أو بتعليماتكم؟.

يرد أحمد عرابي قائلا: هذه العبارة مختلقة لا أصل لها.. ووكيل الجهادية ليس محتاجا لتعليماتي، ولا يمكنه أن يساعد على غير الحق مهما كانت الحالة. وأما ما ذكر من أن يكون ذلك حصل بتعليماتي فمن أنا حتى يكون لي تعليمات بمثل ذلك في جهة لم أحضرها ولم أشاهدها بل من تدبر كيفية سيرنا في مدة ثمانية عشر شهرا وكسور، وعلم ما حصل مني من التنبيهات والتأكيدات وإعلاني لجميع الناس علم اليقين أني اجتهد كل الاجتهاد في حفظ الأرواح والأعراض والأموال حتى لا تسفك شعرة واحدة من رأس أي إنسان كان. حرصا على عدم تسويد صحيفة المصريين، والحق أنه لم يتنبه منا على وكيل الجهادية بشيء أبدًا. إذا هو غني عني في مثل ذلك وكان طلبه على حين غفلة واستعجال.

وهنا يتلو رئيس القومسيون صورة التنبيه الذي يقول فيه: "جهادية وكيلي سعادتكو.. بعد السلام على سعادتكم، تعلمون أهمية مركز سعادتكم الآن بالنسبة للجنة التحقيق.. فإنه لا يخفى أن أعضاء اللجنة ليسوا جميعًا ممن يهمهم شرف العسكرية والأمة. فإن المتداول على ألسنة الخاص والعام هنا، أن الفاعل لهذا الأمر رجل مالطي من تبعة الإنكليز تشاجر مع وطني وضربه بسكين. وأن جماعة من الأروام اجتمعوا للدفاع عن الوطني فتكاثر عليهم المالطية وبعض الأورباويين. وضربت عليهم النيران من الشبابيك وعظم الخطب بتعدي الأورباويين على أنفسهم. وإن الوطنيين الذين حضروا إنما كانوا يدافعون عن أنفسهم بالعصي، وكذلك لهجت الألسنة بأن بعض الأورباويين انتهب بعض الدكاكين ولم يكن للوطنيين يد في ذلك، فليكن اجتهادكم في الدفاع عن جانب الحكومة والأمة. وإظهار الفاعل الأصلي من الأجانب، فقد قيل بأن المالطي المتسبب كان قبل ذلك خادما في قنسلاتوه الإنكليز. وهذه أمور نقدمها لتلاحظوها ولا تقبلوا كل ما يقال في جانب الوطنيين والحكومة من غير تدقيق وبحث طويل وتحقيق تعرفون صدقه وعدم تصنعه ولا يحتالوا بجانبكم لأحد من أعضاء اللجنة. خشية أن يخدع سعادتكم أو يستميلكم لأمر ظاهره الإصلاح وباطنه الإفساد. ولنا وثوق تام بأفكاركم. وإنما كتبنا هذا من باب التنبيه والإيقاف لأقوال وأفعال من معكم من رجال اللجنة، هذا ما يقتضي من جهة اللجنة والتحقيق. أما ما يلزم للمراقبة العمومية، فيلزم أن تلاحظوا حركات البلد وأخبارها. وتكتبوا ما تسمعونه وما ترونه. وتبادروا بإخبارنا أولا فأول عن جميع الأعمال والاكتشافات والمنظورات والمحظورات التي ترونها مما يظهر لكم الحوادث، واعلموا أن الحزم في الأمور يرشد لحسن العاقبة، وصدق العزيمة يوصل إلى المقصود.. والعاقل من احترس من صديقه قبل عدوه، ورجل الحرب من لا تخدعه حيل السياسيين ولا أعمال المنافقين. والله يرشدنا وإياكم لما فيه حفظ العباد والبلاد.

الضرب على الطوابي
فيقول أحمد عرابي بلا تردد: نعم.. صدر مني هذا الجواب الذي هو عبارة عن الأخذ بالحزم في إظهار الحقيقة والعمل بالحق وليس فيه ما ينكر عليه.

يقول له رئيس القومسيون: حيث إنه صدر لك أمر من الحضرة الخديوية ومن الحضرة السلطانية بإبطال التجهيزات بالطوابي وزيادة وضع المدافع بها.. فلماذا لم تمتثل لهذه الأوامر، واستمر العمل في التجهيزات حتى أن جناب الأميرال سيمور لما شاهد وضع مدافع زيادة عما كان موجودا طلب تنزيلها.. ولإصراركم على عدم الإصغاء للأوامر فشأن ذلك الضرب على طوابي إسكندرية؟

يرد أحمد عرابي قائلاً: على حسب العادة السنوية كان جاريا ترميم بعض طوابي إسكندرية. ولما ورد تلغراف من الحضرة السلطانية إلى الحضرة الخديوية بناء على تبليغات سفير إنكلترا بالآستانة بإبطال إنشاء وتجديد استحكامات إسكندرية. إذ يعد ذلك تهديدًا للمراكب كالحربية الإنكليزية، وصدر أمر الحضرة الخديوية بذلك في الحال صار إبطال الترميمات، وتعين من لزم من رجال المعية لمشاهدة إبطال العمل. ولما تحقق بطلان العمل بالترميمات كتب للآستانة بذلك من المعية، ولم يكن حصل إصرار وعدم سماع كما قيل. حتى أن الطوابي الموضحة بإفادة جناب الأميرال سيمور بأنه جاري وضع مدافع بها، قبل الضرب بيوم واحد، لم يسبق وضع مدافع على بعضها منذ إنشائها في مدة المرحوم محمد علي باشا.. ومن ضمن ذلك طابية صالح التي لم يكن بها شيء من الأسلحة الجديدة أبدَا.. وطابية باب العرب وطابية قايد بك التي هي على بعد زائد في وسط البحر. ويستمر التحقيق ليكشف تفاصيل ما حدث يوم هجوم الأسطول البريطاني على الإسكندرية.

رئيس القومسيون: لغاية أي ساعة استمر الضرب من المراكب على الطوابي في يوم 11 يوليو 1882.. وأين كنتم في هذا اليوم؟.

أحمد عرابي: ضرب إسكندرية في يوم 11 يوليو 1882 كان الساعة 12 عربي صباحًا. وعليه بمقتضى قرار المجلس المشكل تحت رئاسة الحضرة الخديوية لم تصر مجاوبة المراكب من الطوابي.. إلا بعد إطلاق نحو الخمس عشرة طلقة.. وبعدها حصلت المجاوبة من الطوابي.. واستمر الضرب من الطرفين إلى الساعة عشرة ونصف عربي من النهار وفي أثناء ذلك كنت في طابية الدماس لارتفاعها ومناظرة الجهات.

بعد رفع البيرق الأبيض
رئيس القومسيون: هل بقيتم في الطابية لغاية الساعة 10 حتى انتهى الضرب؟

أحمد عرابي: نعم.

رئيس القومسيون : من كان قومندان العساكر بإسكندرية في أثناء واقعة 11 يوليو 1882؟.

أحمد عرابي: كان القومندان طلبة باشا عصمت.

رئيس القومسيون: هل تعين لهذه الوظيفة بأمرك؟.

أحمد عرابي: طلبة باشا كان قومندانا على العساكر البرية الذين توجهوا من مصر إلى الإسكندرية عقب حادثة 11 يوليو 1882 لأجل حفظ البلد.. وحيث وجد هناك صار قومندانا على جميع العساكر البرية وأما الطوابي فكانت تحت قومندانية إسماعيل بك صبري.

رئيس القومسيون: لما توجه للمكالمة مع جناب الأميرال سيمور بأي صفة توجه.. هل بصفة قومندان الثغر؟.

أحمد عرابي: بصفته قومندان العساكر المصرية.

رئيس القومسيون: هل تعيينه بهذه الوظيفة منكم كان شفاهيا أو كتابة؟.

أحمد عرابي: شفاها.

رئيس القومسيون: في أي يوم رفع العلم الأبيض من الطوابي.. هل في أول يوم الضرب أو في ثاني يوم؟.

أحمد عرابي: في اليوم الثاني عند ابتداء الضرب.

رئيس القومسيون: في أي ساعة؟.

أحمد عرابي : في الساعة الواحدة تقريبًا.

رئيس القومسيون: وهل كان هذا بأمرك؟.


أحمد عرابي : رفع البيرق الأبيض عند إطلاق مدافع من المراكب الإنجليزية، كان بناء علي قرار من مجلس النظار، وغيرهم من الذوات تحت رئاسة الحضرة الخديوية بحضور دولتلو درويش باشا رئيس الوفد العثماني.

رئيس القومسيون: أين قضيت ليلة الأربعاء؟

أحمد عرابي : في باب شرق.

رئيس القومسيون: في أودة من؟.

أحمد عرابي: في أودة حكمدار الآلاي.. ولست متذكرا إن كانت أودة سليمان بك سامي أو عيد بك.

رئيس القومسيون: أين توجهتم في ثاني يوم صباحا؟.

أحمد عرابي: حضر لي طلب من المعية في الساعة اثنين تقريبا، فتوجهت من باب شرق للرمل.

رئيس القومسيون : لأي شيء طُلبت؟.

أحمد عرابي: طلبت لدى الحضرة الخديوية وسئلت عما إذا كان صار رفع البيارق البيضاء أولا.. وعن الضرب الذي حصل من المراكب فجاوبته أنه صار رفع البيارق المذكورة واستمر الضرب من المراكب بعد رفعها من خمس وعشرين إلى ثلاثين كلة.

رئيس القومسيون: هل حقيقة بعد رفع الأعلام البيضاء أطلقت خمس وعشرين كلة من المراكب الإنجليزية كما قيل منكم؟.

أحمد عرابي : نعم.. إنما لم يكن إطلاق هذه "الكلل" من مركب واحد بالتوالي. بل من مراكب متعددة في آن واحد.

جمعت العساكر المشتتة
ويستمر الزعيم أحمد عرابي في رواية تفاصيل ما حدث في ذلك اليوم التاريخي من خلال إجاباته على أسئلة المحقق.

يسأله رئيس القومسيون: ما هو الزمن الذي مكثتموه في الرمل؟.

يرد أحمد عرابي : بقينا بالرمل إلى الساعة عشرة تقريبا، حيث كان قد عقد مجلس تحت رئاسة الحضرة الخديوية عن طلبات جناب الأميرال سيمور بخصوص تسليم ثلاث قلاع إلى العساكر الإنجليزية لاتخاذها معسكرًا للجيش الإنجليزي. وتلك القلاع هي طابية العجمي وطابية المكس وطابية باب العرب. وكان أرسل لجنابه حسبما تقرر من لزم صحبة طلبة باشا لإبلاغ جنابه أن الفرمان الهمايوني لا يرخص للحضرة الخديوية بذلك. وأنه سيعرض للحضرة السلطانية عن تلك المقترحات.

رئيس القومسيون: قيل في أجوبتكم المتقدمة إنكم توجهتم للرمل الساعة 2 صباحا وبقيتم بها لغاية الساعة 10، أفلم تحضر من هناك في أثناء هذه المسافة لباب شرقي أو لجهة أخرى؟.

أحمد عرابي : نعم.. في منتصف تلك المسافة قبل انعقاد المجلس، كنت توجهت صحبة سعادة راغب باشا رئيس النظار بعربته إلى منزله وبعد مضي نحو ساعة أو ساعة ونصف عدنا ثانية للرمل معا.

رئيس القومسيون : القصد الإفادة عما إذا كان حضرتم لباب شرقي قبل الساعة عشرة أم لا؟.

أحمد عرابي: لم نحضر.

رئيس القومسيون : علم من التحقيق أنه في يوم الأربعاء حضر لطرفكم بباب شرقي سلطان باشا وسليمان باشا أباظة وشريعي باشا وياور دولتلو درويش باشا وحسين حسني بك ياور من طرف الحضرة الخديوية، وهؤلاء الذوات حضروا لكم معا بالباب المذكور، ليطلبوا منكم رفع كوردون العساكر الذي أحطتم به سراي الرمل. فحضورهم لكم في باب شرقي كان في أي ساعة؟ وما هي أسباب وضعكم الكوردون حول سراي الرمل ما دام الخفر المرتب للحضرة الخديوية كان موجودا هناك؟.

أحمد عرابي: أظن أن حضور حضرات الذوات المذكورين كان الساعة 11 حالة كوني مستقلا بنفسي في جمع العساكر المتشتتة بوقت خروجهم من إسكندرية، وفي الوقت المذكور الذي كنت به في الرمل كان الجناب الخديوي سألني عن عدم لزوم الأربع بلوكات البيادة الذين حضروا في ذلك اليوم لوجود الخفر الكفاية هناك. وقال إن توجههم لتأدية خدمات لازمة أولى. وحيث إنني كنت لا أعلم حقيقة الأمر. ولا ما هي الأربع بلوكات المذكورة، فعند خروجي من المعية توجهت لجهة القشلاق المجاور لسراي الرمل. وطلبت الضابط الموجود مع الأربع بلوكات التي حضرت إلى هناك. فأحضروا لي ضابطا أظن أن اسمه علي هشيمة من 6 جي ألاي.

فقلت له: ما سبب حضور العساكر الذين حضرت بهم ما دام موجودا الخفر كفاية؟

قال: حضرنا بأمر حكمدار الآلاي سليمان سامي.

سألته: لأي سبب؟

قال : لا أعلم.. جئت لتقوية الخفر.

فقلت له : الخفر كفاية.. خذ العساكر وتوجه إلى الآلاي.

"وكنت راكبًا عربة سعادة راغب باشا.. فلما قربت من الجبانة القريبة من باب شرقي وجدت العساكر والأهالي مختلفا بعضهم ببعض في ازدحام شديد خارجين جهة وابور المياه. فنزلت من العربة وصرت أتخلل الناس حتى وصلت باب شرقي. وصرت أوقف العساكر بنفسي وأمنعهم عن الخروج من الباب وأنهاهم عن ذلك، وما زلت كذلك حتى حضر إلي حضرات الذوات المذكورين وأخبروني أن العساكر منتشرة في هيئة كوردون حول السراي. ومن المقتضى رفع الكوردون فدهشت حين سمعت بهذه العبارة.. ووقتها كان حضر حضرة طلبة باشا الذي هو قومندان العساكر فنبهت عليه بسرعة التوجه لرفع ذلك والوقوف على أسبابه وقد توجه مع من ذكروا.

المحقق: يفهم من جوابك.. أولا أن الضابط لم يصغ لأوامرك حيث إنك قلت له خذ العساكر وتوجه إلى ألايك. وبعد ذلك عمل الكوردون حول السراي.. ثانيًا أن جناب الخديوي نفسه أمركم بإعادة الأربع بلوكات المذكورة وأنت بالرمل.. ومن جوابكم علم أنكم حضرتم من الرمل إلى قشلاق باب شرقي ولم تصرفهم.. ثالثًا اتضح من التحقيقات ومن أجوبة بعض من حضروا لك من الذوات لباب شرقي.. أنك لم ترض برفع الكوردون إلا بعد تكرار الرجاء وإلحاح ياور دولتلو درويش باشا، فمن هنا يعلم أن أصل وضع الكوردون كان بأمركم. إذ إنه مع وجودكم بصفة ناظر الجهادية ومع أن العساكر في جهة واحدة، لا يتصور أن ميرالايات الآلايات أو ضباطهم يتجاسرون على فعل أمر مهم مماثل لذلك بدون أمرك؟.

وحان وقت الظهر
يرد أحمد عرابي قائلاً: الأمر المهم المماثل لذلك كنت أتولاه بنفسي ولا أرتكن فيه علي غيري.. والإنسان مهما كانت قوته لا يمكنه حصر وضبط أفكار جميع الناس الذين معه. خصوصًا في هذا الوقت الصعب الذي كثيرًا ما تذهل فيه العقول. فكيف يقال إنه لا يتصور وقوع أمر من أحد حكمدارية الآلايات بدون أمر مني. مع أني لست بضابط لأفكاره وإني كما أوضحت لا أعلم أصل إرسال البلوكات ولا الغرض منه. وإنه تنبه مني على الصاغقول أغاسي كما ذكر بإعادة البلوكات على محلاتها. وتركت وتوجهت لرؤية الأشغال الضرورية. وأما القول بأن المخبرين لي برفع الكوردون كان مع الترجي والإلحاح فهذا لا حقيقة له. بل بمجرد أن أخبرت وتمالكت نفسي من الدهشة، حالا أرسلت معهم قومندان العساكر طلبة باشا وحتى بعد عودته وسؤاله عن الكيفية أخبرني أنه لم يجد هناك كوردون أصلا. وقيل له إنهم تفرقوا قبل وصوله.

كان الاستجواب قد استمر من الصباح حتى الظهر.. فقرر رئيس القومسيون تأجيله إلى ما بعد الظهر..

وسجل في نهاية التحقيق عبارة :"أعيد إلى السجن بما أنه حان وقت الظهر"!








    رد مع اقتباس
قديم 03 - 03 - 2013, 19:53   #5
معلومات العضو
dr moustafa
أستاذ مساهم
 
الصورة الرمزية dr moustafa
 

المعلومات الشخصية






علم الدولة : Egypt

dr moustafa غير متصل

 

 

 

Moving "محاكمة زعيم" .. تلغرافات من أحمد عرابي للأستانة: خديوي مصر اجاز إلي عدو البلاد (5-9)


"محاكمة زعيم" .. تلغرافات من أحمد عرابي للأستانة: خديوي مصر اجاز إلي عدو البلاد (5-9)

السبت 2013/3/2 12:21 م









تأليف ـ محمود صلاح

ربما لم يشهد تاريخ القضاء المصري مثل قضية محاكمة أحمد عرابي زعيم الثورة العرابية، هذا الضابط الفلاح الذي جاء من أعماق الريف المصري ورغم أنه تبوأ أكبر المناصب العسكرية حتى أصبح ناظرًا للجهادية إلا أن المنصب الكبير والرتب والنياشين لم تمنعه من أن يعلن الثورة على الخديوي من أجل كل المصريين. وأن يتصدى بكل جسارة وشجاعة لأساطيل وجيوش المحتل البريطاني.

إن وقائع محاكمة عرابي وأسرار القضية التي لم تذع من قبل. هي أشرف وسام للمواطن المصري.

ومن ناحية أخرى فإن تفاصيل القضية ومحضر استجواب أحمد عرابي، وحكم إعدامه الذي استبدل به النفي إلى الأبد من الأقطار المصرية، ستظل بكل ما فيها من أسرار وتناقضات شاهدًا على تاريخ مصر العظيمة وشجاعة رجالاتها الأوفياء، وكيف حاول – ويحاول – اللصوص والمنافقون تزييف هذا التاريخ برذاذ أسود وزبد الفقاعات الهشة. لكن الثوب يبقى ناصعًا رغم الرذاذ، والزبد دائمًا يذهب هباء.

ويكفي أن تهمة أحمد عرابي كانت الخيانة العظمى لأنه أبى الاستسلام وأصر على الدفاع عن مصر ضد الإنجليز.

ونواصل فى افصل الخامس من الكتاب اظهار المزيد من التفاصيل


عاد أحمد عرابي إلى سجنه عند الظهر في انتظار استدعاء القومسيون له ليستكمل التحقيق معه.

وفي زنزانته جلس الزعيم الكبير يسترد أنفاسه.. وتتوارد في خياله الأحداث الجسام التي عاشها سراعًا.

لم يكن أحمد عرابي في هذا الموقف يأسى على نفسه، بقدر ما كان يأسف لما أصاب وطنه، أما عن نفسه فلم يشعر بالخوف أو التخاذل لحظة واحدة، رغم كل ما أحاط به من مؤامرات دنيئة.

واسترجع في مخيلته مؤامرة الحكومة العثمانية لإبعاده عن مصر. وخديعة دولتلو درويش باشا لتنفيذها والتي لم تنطل عليه.

مع الخديوي.. وعرابي

كان الخديوي توفيق قد حاول في بداية الأزمة أن يستعين بالدولة العثمانية لضرب الثورة العرابية وهناك مراسلات تثبت ذلك دارت بين الخديوي توفيق و "الباب العالي" بالآستانة مثل "رسالة الخديوي إلى ثابت باشا قبوكتخدا الحضرة الخديوية بالآستانة" التي طالب فيها بإرسال "قوة عسكرية" يبلغ مقدارها عشرين طابورا على جناح السرعة على أن تكون قيادتها العامة منوطة به.

لكن السلطان العثماني تردد في تنفيذ طلب الخديوي خوفًا من الصدام مع الدول الأوروبية. كما أن مشايخ الآستانة أقنعوه بأن "إرسال عساكر مسلمين لقتال إخوانهم المسلمين يضر بالخلافة".

وقرر السلطان أن يرسل بدلا من الجيوش وفدا يرأسه مصطفى درويش باشا أحد رجال الحاشية السلطانية ويتكون من ثلاثين شخصًا.

ووصل درويش باشا إلى مصر على ظهر اليخت السلطاني "عز الدين" وأرسل له أحمد عرابي يعقوب سامي باشا وكيل نظارة الجهادية لاستقباله.. ومن ناحية أرسل له الخديوي توفيق وفدا لاستقباله.

وكانت تعليمات السلطات لدولتلو درويش باشا أن يتظاهر لكل من الخديوي وعرابي بأن السلطان معه. لكن الخديوي توفيق منح درويش باشا رشوة قيمتها خمسون ألف جنيه – وهدايا قيمتها خمسة وعشرون ألف جنيه.. فأعلن انضمامه لجانب الخديوي.

وفكر درويش باشا في خدعة للتخلص من الزعيم أحمد عرابي. وبعد أن منحه النيشان المجيدي من الطبقة الأولى طلب منه أن يسافر إلى الآستانة ليشكر السلطان على الوسام وأن يترك له ديوان الجهادية!

لكن أحمد عرابي فطن إلى الخدعة ورفض. ولم ييأس درويش باشا فأعطى أوامره السرية لقبطان اليخت التركي "عز الدين" بالاستعداد للرحيل على إستانبول ثم ذهب إلى عرابي وأظهر له وده وطلب منه زيارة السفن المصرية الراسية في الميناء وكذلك اليخت التركي!.

وللمرة الثانية يفطن أحمد عرابي إلى خدعة درويش باشا فيرفض.

ويقول له: أنا ضابط مشاة.. ولا شأن لي بالبحر!

كوردون حول السراي

دارت هذه الأفكار وغيرها في مخيلة زعيم الثورة العرابية وهو جالس في محبسه.. فمضى الوقت حتى فتح الحراس باب الزنزانة ليعيدوه إلى المجلس العسكري ليواصل القومسيون التحقيق معه.

وتكشف إجابات أحمد عرابي عن حقيقة ما حدث يوم هجوم الأسطول البريطاني على الإسكندرية.

يسأله رئيس القومسيون: أنت تدعي أن وضع الكوردون العسكري حول سراي الخديوي كان بغير أمرك. بل بأمر سليمان سامي. أفلم تبحث أسباب وضعه، وماذا أجريت مع سليمان سامي بالنظر لوضعه الكوردون المذكور من تلقاء نفسه.

يرد أحمد عرابي: قلت فيما تقدم إن الصاغقول أجاب بأنه محضر لتقوية الخفر. وبحضور سليمان سامي من تجمع العساكر في كفر الدوار أفاد بأن إرسال العساكر كان لتقوية الخفر ولأن كثرة أشغال المدافعة شغلنا جدًا فلم يحصل تحقيق في كيفية إرسال العساكر بغير إذن، وبالضرورة عند انتهاء المحاربات تجري المحاكمات مع من تقتضي محاكمته.

رئيس القومسيون: من أجوبتك السابقة علم أنك حضرت من الرمل في الساعة عشرة لباب شرقي وذكرت أن العساكر وقتها كانوا مزدحمين وخارجين من باب شرقي.. فهل ترك العساكر محلاتهم.. وهل كان خروجهم من البلد بأمرك أو بأمر من؟.

أحمد عرابي: من أجوبتي المتقدمة يعلم أنه بحضوري من الرمل، وجدت العساكر خارجين من إسكندرية إلى جهة وابور المياه. وعندما حضرت إلى باب شرقي كنت أمنع العساكر بنفسي من الخروج. ومن ذلك يعلم أن العساكر تركوا إسكندرية بصورة هزيمة. وفي الحقيقة أن قشلاق رأس التين هدمت محال كثيرة منه. التي يمكنها من هذا المكان الضرب على قشلاق باب شرقي بأكمله ويمكنها قطع خط الرجعة أيضًا. ولم يمكنني توقيف حركة العساكر فتوجهت خلف العساكر المنهزمين. كي أصل إلى مقدمتهم وأتخذ لهم موقعًا مناسبًا لتجميعهم. وأسرعت في السير حتى وصلت إلى كوبري حجر النواتية الكائن علي المحمودية.

وكان وصولي هناك الساعة ثلاثة ليلاً تقريبًا.

من حرق الإسكندرية؟

يسأله رئيس القومسيون: هل بقي معك سليمان سامي مع عساكره. بعد حصول المكالمة بينك وبينه في شأن حرق البلد في الساعة 11 ولازمك لحد حجر النواتية أم رجع للبلد؟.

أحمد عرابي : بعد أن علم عدم إمكان توقيف حركة العساكر. وكان من الضروري جمع العساكر في محل يأمنون فيه. خرجت بمفردي مسرعًا لأتخذ لهم محلاً مناسبًا كما ذكرت قبلا. والعساكر الذين أمكنني تجميعهم خرجوا من ضباطهم وسليمان بك سامي حضر إلى حجر النواتية بمن معه من العساكر في الساعة سبعة ليلاً تقريبًا.

رئيس القومسيون : هل سليمان سامي هو الذي تأخر بألايه فقط ولم يحضر إلا متأخرًا.. أو كافة عساكر الآلايات أيضًا؟.

أحمد عرابي : العساكر الذين أمكن تجمعهم في باب شرقي حضروا مع ضباطهم في الوقت الذي حضر فيه سليمان بك سامي. وما ذلك إلا لكثرة ازدحام الطريق بالأهالي والعساكر والعربات وصعوبة المرور.

رئيس القومسيون : ألم يبلغك أن سليمان سعى بعساكره وحرقوا إسكندرية؟.

أحمد عرابي : سبقت الإجابة عن ذلك.

رئيس القومسيون: إجابتكم السابقة كانت عن بلاغكم عن سليمان سامي على حرق البلد.. والآن هذا السؤال هو لمعرفة ما إذا كان قد بلغك أن سليمان سامي وعساكره حرقوا البلد بالفعل أم لا؟.

أحمد عرابي : لم يبلغني أن سليمان سامي هو الحارق للإسكندرية حقيقة.

رئيس القومسيون : حرق الإسكندرية لا ينكر..فمن حرقها؟

أحمد عرابي : محافظ البلد وضبطيتها يعلمون حقيقة الحرق.. وإن كنت أظن أن حرقها ناشئ عن مقذوفات المراكب كما حصل بسراي رأس التين.. وغير ذلك لم يبلغني شيء.

رئيس القومسيون: قيل في جوابك إنك كنت تظن.. والآن من هو الذي حرق البلد علي حسب ظنك؟

أحمد عرابي : كنت أظن ولا أزال أظن ذلك، حيث إني لا أعلم حقيقة.. لأني ما كنت بداخل البلد.

رئيس القومسيون: لما كنت في باب شرقي.. هل كان محمود سامي هناك أم لا؟ وإن كان هناك فهل حضوره كان بناء على طلبكم أم من تلقاء نفسه وماذا فعل؟ وألم يخبركم بشيء من جهة الحريق؟.

أحمد عرابي: وقت حضوري من الرمل وجدت محمود باشا سامي.. وسألته عن أسباب حضوره فقال: "حضرت حين بلغني مسألة الضرب على إسكندرية لأنظر الحالة" فتركته واشتغلت بجمع العساكر. ولم أكن متذكرا أنه قال لي شيئًا عن الحريق.

الخديو انحاز للإنكليز

يقول له رئيس القومسيون: بعد انسحابكم من إسكندرية وتوجهكم لجهة كنج عثمان في أواخر شعبان. صدرت لكم إرادة سنية ها هي صورتها منسوخة.

وأخذ رئيس القومسيون يتلو على مسامع أحمد عرابي الأمر الذي أصدره إليه الخديوي توفيق ويقول فيه: اعلموا أن ما حصل من ضرب المدافع من الدونتمة الإنكليزية على طوابي إسكندرية وتخريبها. إنما كان السبب فيه استمرار الأعمال التي كانت جارية بالطوابي وتركيب المدافع التي كلما يصير الاستفهام عنها كان يصير إخفاؤها وإنكارها. والآن قد حصلت المكالمة مع الأميرال فأفاد بأنه ليس للدولة الإنكليزية مع الحكومة الخديوية أدنى خصومة ولا عداوة. وأن ما حصل إنما هو في مقابل ما كان من التهديد والتحقير للدونتمة. وأنه إذا كان بيد الحكومة الخديوية جيش منتظم وممتثل ومؤتمن. فهو مستعد لتسليم مدينة الإسكندرية إليه. ولذلك إذا حضرت عساكر شاهانية فالحكومة الإنكليزية تحترمهم وتسلم لهم المدينة. فقد تحقق من هذا أن الدولة الإنكليزية ليست محاربة مع الحكومة الخديوية. وأنه تقرر من كافة الدول المعظمة بالقونقراتنس بأنه لا يصير مس امتيازات الحكومة ولا حريتها. ولا مس حقوق الدولة العلية. بل هي تبقى ثابتة لها كما كانت. وأن يصير إرسال عساكر شاهانية لأجل استتباب الراحة بمصر. فلذلك يلزم أن تصرفوا النظر عن جمع العساكر وعن كافة التجهيزات الحربية التي تجرونها بوصول أمرنا هذا. وتحضروا حالا إلى سراي رأس التين لأجل إعطاء التنبيهات المقتضية الشفاهية على حسب أمرنا هذا وما استقر عليه رأي مجلس النظار. فاطلعوا عليها وأفيدوا عن وصولها إليكم أو عدمه وعن تاريخ وصولها لكم"

يرد أحمد عرابي قائلا: نعم.. وصل إلينا هذا الأمر.. أما تاريخ الوصول فلم أكن متذكرًا.

يرد عليه رئيس القومسيون: لماذا لم تنقَد لأمر الحضرة الخديوية. وتتوجه للأعتاب السنية كباقي النظار؟

يقول أحمد عرابي: إن الحرب التي حصلت لم يسبق لها مثيل. إذ هي خارجة عن حد القياس؛ حيث أن الحرب وما صار إجراؤها إلا بمقتضى قرار من مجلس مؤلف من النظار والذوات الاختيارية. تحت رئاسة الحضرة الخديوية بحضور أعضاء الوفد العثماني، فكان إجراؤها على مقتضى الحق والقانون.. ثم بعد خروج العساكر من إسكندرية توجه الجناب الخديوي من سراي الرمل إلى داخل إسكندرية التي تركها أهلها والعساكر، فلما بلغنا ذلك الأمر تحقق أن انتقال جنابه العالي إلى إسكندرية مع حصول المناوشات الحربية بين مقدمات العساكر المصرية والعساكر الإنكليزية، إما أن يكون لأخذه أسيرًا أو لانحيازه إلى الطرف المحارب، فمن أجل ذلك كتب لوكيل الجهادية بما حصل للمشاورة مع رجال الحكومة. فهذا الأمر الذي لم يسبق له مثيل. وبناء على ذلك صار اجتماع عام من وكلاء الدواوين والمديرين والبرنسات والعلماء وشيخ الإسلام والقاضي والشيخ السادات والشيخ البكري وأعيان التجار والعمد وغير ذلك. وتشاوروا فيما بينهم عن هذا الأمر الذي دهم البلاد واستقر رأيهم جميعًا على إعطاء قرار بعدم سماع أوامر الحضرة الخديوية وتوقيفها عن الإعمال. حيث إنه توجه للطرف المحارب. وعرضوا ذلك تلغرافيا للحضرة السلطانية ببيان أسماء المشاهير من أعضاء ذلك المجمع. ومع ذلك ولأجل الاحتياط والوقوف على الحقيقة عرضت للحضرة الخديوية تلغرافيا عن طلب صورة المصلحة التي سيعقد عليها الصلح.. حتى نتمكن من الحضور فلم يرد لي جواب بعدها.

مكانه في العاصمة

يقول له رئيس القومسيون: بعد صدور الإرادة السنية حررتم تلغرافات من طرفكم للمديريات رأسا بالاستمرار على التجهيزات وجمع العساكر والمداومة على المحاربة. وعدم سماع أوامر تصدر من خلافكم. وحررتم أيضًا لوكيل الجهادية بهذا المضمون. ولم يذكر شيء فيما كتبتموه عن جمع من أوضحتم عنهم. لأخذ قرار منهم كما تدعون. فيعلم من ذلك عدم التقائكم لأوامر الخديوي والإصرار على جمع العساكر والمحاربة. قبل صدور قرار من ذكرتم عنهم.

يرد عليه أحمد عرابي قائلاً: قد قلت أولا إن هذه الحرب جرت على غير مثال. وإنه بعد خروج العساكر من إسكندرية وخروج أهلها منها توجه الجناب الخديوي إلى إسكندرية التي تبوأها الجيش المحارب للبلاد خلافا للقاعدة القانونية والشريعة الإسلامية. إذ إنه كان الذي يلزم حضور جنابه العالي إلى مصر عاصمة البلاد.. وهناك يصير تجييش الجيوش للحرب أو المخابرة في الصلح. ومع صدور الأمر في هذه الحالة لا يمكن لأي رئيس جيش العمل به إلا بعد تحقيقه. ربما أن يكون مدسوسًا من الطرف المحارب على لسانه. أو يكون مقهورًا عليه. إذ الحرب خدعة كما هو معلوم. من أجل ذلك عرضت لجنابه الرفيع بإرساله صورة المصالحة. حتى يمكنني التوجه إلى إسكندرية، وقد كتب للمديريات المذكورة بسرعة إرسال أنفار العملية لعمل الاستحكام واستمرار التجهيزات الحربية. وفي يوم ورود الأمر كانت المناوشة حاصلة بين مقدمات الجيشين إلى الغروب. فلو كان هناك صلح حقيقة، لما كان يحصل مناوشة بين مقدمات الجيشين. وأي رئيس من أي ديانة كانت وفي أي بلد كانت مترائسا على جيش مدافعا عن بلاده لا يمكنه أن يجري خلافا ما أجريته في حالة وجود حاكم البلاد بطرف الجيش المحارب لها.

عند "حجر النواتية"

لا يشير رئيس القومسيون من قريب أو بعيد بعد هذا الرد المفحم، إلى السبب الحقيقي في لجوء الخديوي توفيق إلى أحضان قوات الاحتلال الإنكليزية بمجرد دخولها الإسكندرية.

ولكنه يعود ليسأل عرابي: ما هي المناوشة.. أوضح لنا معناها.. هل كان حصل ضرب نار في مقدمات الجيشين وكيف؟.

يرد أحمد عرابي: نعم.. كان حصل مناوشة بضرب النار جهة كوبري حجر النواتية الكائن على المحمودية.
رئيس القومسيون: هل كان ضرب النار من طرفكم أو من طرف الإنكليز؟.

أحمد عرابي : من الطرفين.

رئيس القومسيون: لماذا لم تنقادوا إلى الإرادة السنية وداومتم على المحاربة.. ولماذا منعتم أهالي إسكندرية الذين كانوا قد حضروا منها إلى جملة جهات من العودة إلى وطنهم؟.

أحمد عرابي : تقدم كما قلت في جوابي أني عرضت للحضرة الخديوية بطلب صورة من المصالحة للوقوف على الحقيقة.. وما كنت أجاب.. وهذا لا يعد عدم امتثال بل هو بحث عن الحقيقة، ولما ورد أمر العزل تذكرت أنه من قبيل ذاك الأمر الأول حيث إن الخديوي موجود بطرف الجيش المحارب. ولم أقف على حقيقته كما ذكرت فأرسلته إلى وكيل الجهادية للنظر فيه بالمجلس وإفادتنا بما يستقر عليه الرأي ولم يحصل ورود أحد من أهل إسكندرية عائدًا إليها حتى يصير منعه. بل الكل كان مهاجرًا إلى بلاد الأرياف مع غاية الازدحام.

رئيس القومسيون : بعد صدور أمر الحضرة الخديوية وأمر سعادة رئيس مجلس النظار بإرجاع أهالي إسكندرية الذين هاجروا قد صار نزولهم بعربيات السكة الحديد، وقامت بهم قطارات متعددة لكن أرجعتم بعضهم من كفر الدوار والبعض من دمنهور والبعض من طنطا وتوقف قيام وابورات بهم بعد ذلك من محطة مصر.. ومن التلغرافات التي ستتلى عليكم الآن يتضح أنكم أنتم الآمرون بمنع عودة المهاجرين لأوطانهم.. فأفدنا عن سبب ذلك؟.

ثم تلا رئيس القومسيون على أحمد عرابي صورة تلغراف من يعقوب سامي إلى أحمد عرابي يخبره فيه أنه صدرت إرادة سنية تلغرافية لتحسين الحالة بالإسكندرية، وإرسال المهاجرين منها إليها مرة ثانية، لكن مأمور إدارة السكة الحديد تلقى تلغرافا من مأمور إدارة الجيش بكفر الدوار بأن عرابي لم يأمر بذلك، ويتساءل يعقوب سامي أي الأمرين ينفذ؟

تلغرافات عرابي للآستانة

ثم يعود رئيس القومسيون ليثير موضوعًا آخر.. وهو الاتصالات التي تمت بين أحمد عرابي والدولة العثمانية في الآستانة خلال الأزمة.

فيقول له : لدينا ثلاثة تلغرافات محررة منكم إلى نسيم بك طرف الحضرة السلطانية تتضمن القدح والذم في حق الحضرة الخديوية وتتهمه في أمور غير حقيقية وتتهم أيضًا عساكر دولة الإنكليز بما لا يقع منهم مثل القتل والفتك بالأهالي وما أشبه.

ويتلو عليه صورة التلغراف الأول الذي حرره عرابي في غرة رمضان إلى الآستانة ويقول فيه: في يوم الثلاثاء 25 شعبان ابتدأت الإنكليز في الضرب بمدافع الدونتمة على إسكندرية واستحكماتها. والضرب تسبب عن طلبات من الأميرال الإنجليزي، وبلغت إلى حضرة الخديوي وهو عرضها على مجلس نظاره الذي عقده تحت رياسته بحضور دولتلو درويش باشا مندوب الحضرة السلطانية وكثير من ذوات البلاد. ولما تحقق عند جميعهم أن الطلبات مضرة بالحكومة الخديوية ومخلة بشأن الدولة العلية، استقر رأيهم على معارضة طلب الأميرال. ولو أدى ذلك إلى الحرب. وبناء عليه قرر المجلس المذكور بلزوم المدافعة وأن لا تطلق المدافع من جهتنا إلا بعد إطلاق خمسة مدافع من السفن الإنكليزية.

"وحين ابتدأت السفن بالضرب على مدينة إسكندرية لم تقابلها الطوابي إلا بعد عشرين طلقة. حال كونها على غير استعداد ولا استمرار الأوامر بعدم الاستعداد ولهذه الأسباب تعتبر المحاربة واجبة بوجه الحق والشرع حيث إنها صادرة من الإنكليز ظلما وعدوانا. وإن العساكر المصرية الشاهانية تثبت غاية الثبات في مراكزها وبذلت غاية جهدها مدة الضرب التي استمرت نحو عشر ساعات ونصف الساعة. إلى أن تخربت الاستحكامات ومدينة الإسكندرية هدمًا وحرقًا من مقذوفات السفن ذات المواد الالتهابية.

"ثم تأخر الجيش خارج المدينة في موقع يصلح للقتال برا. وفي حال القيام بالمدينة دخل إليها الخديو بحرمه وبرفقته دولتلو درويش باشا وأنزل حرمه في البحر وأظهر انحيازه للإنكليز وترتب الحرس عليه من عساكر الإنكليز واتخذ المصريين والجيش الشاهاني عدوا له. وأرسل رسله إلى المهاجرين ينادونهم بالصلح ويحثونهم على العودة إلى المدينة. وبعد أن دخل بعضهم حرض عليهم عساكر الإنكليز يقتلون ويبطشون بهم وبالعساكر المصرية الشاهانية الذين كانوا خفرا عليه ثم صدرت الأوامر للمديريات بحصول الصلح وترك جميع العساكر والتجهيزات. فكان أمره كأمر باي تونس. وقد تحقق ما كنا عرضنا على الحضرة السلطانية فنرجو عرض ذلك على أعتاب حضرة أمير المؤمنين نصره الله.

عندنا جيش عظيم

أما التلغراف فيقول فيه عرابي: "أرفع لسدة أمير المؤمنين ما حل ببلادنا من تواطؤ الخديوي مع الإنكليز وميل دولتلو درويش باشا كل الميل لتعضيد الخديو. حتى بعد أن تحقق انحيازه إلى الإنكليز ومرافقته له حين توجهه إليهم بعد خلو مدينة إسكندرية من العساكر، مع أنه كان الواجب على دولته ذمة وربانة أن ينصح الخديوي بأن يتوجها معا إلى العاصمة مقر الحكومة ليكونا خلف الجيش، لا أن يتركا جيش الإسلام الشاهاني. وينحازا إلى جيش العدو المحارب فمما ذكر يتضح جليا أن العدوان الحاصل من الإنكليز ما كان إلا باتحادهما معا. ولذلك صدر إعلان من الأميرال الإنكليزي مقتضاه أن الخديوي فوض له إدارة إسكندرية مؤقتا.. ونأمل عرض ذلك على أعتاب الحضرة الملوكانية أيدها الله".

وفي التلغراف الثالث كتب عرابي يقول: "أعرض للسدة العلية السلطانية أن الشعب المصري الشاهاني لما رأى اتحاد توفيق باشا مع دولة الإنكليز.. على وقوع الفرقة بيننا وبين متبوعنا مولانا أمير المؤمنين لشق عصا الإسلام معاذ الله. وتحقق له ذلك من الحرب التي أثارتها علينا الإنكليز بغتة. اجتمعت كلمة أهل البلد على حفظها والدفاع عنها، وتسابقوا للانتظام في سلك الجهادية تطوعا حتى انتظم عندنا جيش عظيم جرار، وكذلك تجمع من قبائل العربان كل شاكي السلاح. وقد رتبنا العساكر والعربان في النقط المهمة. وأصبحت قوتنا البرية عظيمة. مع إعداد الذخيرة والمئونة الكافية لهذا الجيش الشاهاني.. وفي كل وقت تنطلق الألسنة المصرية بالدعاء لأمير المؤمنين وتأييد شوكته والشعب بأجمعه واثق بأن العظمة الشاهانية تحل مشاكله التي جلبها عليه توفيق باشا، أما المدافعة عن البلاد وأهلها والحقوق السلطانية فهي من الواجب علينا. وفي كل حال الأمر لمن له الأمر".

لهذا اتصلت بالآستانة

بعد ذلك.. يسأل رئيس القومسيون أحمد عرابي: فهل يجوز لك الدخول في الأمور السياسية والعرض للحضرة السلطانية بأشياء مماثلة لذلك؟

يرد أحمد عرابي قائلاً: من المعلوم أن الإنسان لا يمكن أن يحصي جميع أعماله. ولذلك قلت إنني لست متذكرًا إرسال تلغرافات غير تلغراف واحد إلى المابين الهمايوني.

والتلغرافان الآخران مرسلان من طرفي بواقعة الحال أحدهما بوقت حضور العساكر إلى كفر الدوار.. والآخر بعد تقرير المجلس العام بمصر عن لزوم توقيف الخديوي وعدم سماع ما يصدر من جنابه الرفيع من الأوامر. لمناسبة بقائه بطرف الجيش المحارب. وما عرض ذلك للمابين الهمايوني إلا لكون البلاد تابعة للسلطنة العثمانية. وأصبح حاكمها مع الجيش المحارب لها.

وهنا يقرر رئيس القومسيون تأجيل التحقيق ويأمر بإعادة الزعيم أحمد عرابي من جديد إلى محبسه. على أن يواصل التحقيق معه في اليوم التالي.

وكان بطل موضوع استجواب تلك الجلسة.. عبد الله النديم.. القلم الوطني المصري الثائر وصوت الثورة العرابية.







    رد مع اقتباس
قديم 03 - 03 - 2013, 19:55   #6
معلومات العضو
dr moustafa
أستاذ مساهم
 
الصورة الرمزية dr moustafa
 

المعلومات الشخصية






علم الدولة : Egypt

dr moustafa غير متصل

 

 

 

Moving "محاكمة زعيم"..النديم يؤلف نشيداً ضد الإنجليز والجماهير تردد خلفه (6-9)


"محاكمة زعيم"..النديم يؤلف نشيداً ضد الإنجليز والجماهير تردد خلفه (6-9)

الأحد 2013/3/3 4:23 م













تأليف ـ محمود صلاح

لم تكن محاكمة لأحمد عرابي فقط. بل كانت محاكمة للثورة العرابية ولانتفاضة مصر ضد الظلم المتمثل في الخديوي والتدخل الأجنبي في شئون البلاد والذي وصل إلى حد الاحتلال البريطاني لمصر.

ولهذا كان من الطبيعي أن يشمل استجواب الزعيم أحمد عرابي آخرين. كان في مقدمتهم الثائر الفريد صاحب القلم المدفع عبد الله النديم.

وقد بدأت رحلة النديم مع الثورية قبل عهد الخديوي توفيق، عندما أصبح تلميذًا لجمال الدين الأفغاني.

كان النديم يجلس مع غيره من الوطنيين في قهوة متاتيا بالعتبة الخضراء منبهرًا بالأفغاني الذي كان يلقي الخطب النارية مستثيرًا حماس المصريين.

كان الأفغاني يقول : "أنتم معشر المصريين قد نشأتم على الاستعباد وتربيتم في حجر الاستبداد والأكراد والمماليك، وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه ويهيض عظامكم بأداة عسفه، ويستنزف قوام حياتكم بما يتحلب من حياتكم من عرق جباهكم بالعصا والمقرعة والسوط. وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة.. لا حس لكم ولا صوت.

وتنتفض الدماء في شرايين النديم وهو يستمع إلى الأفغاني يواصل صارخًا: انظروا أهرام مصر وهياكل ممفيس وآثار طيبة وحصون دمياط شاهدة بمنعة آبائكم وأجدادكم.. هبوا من غفلتكم واصحوا من سكرتكم.. عيشوا كباقي الأمم أحرارًا، موتوا مأجورين شهداء.. وأنت أيها الفلاح المسكين تشق قلب الأرض لتستنبت ما يسد الرمق ويقوم بأود العيال.. لماذا لا تشق قلب ظالمك.. لماذا لا تشق قلب الذين يأكلون أتعابك.

مصر الفتاة
وعندما يرفض الخديوي إسماعيل نصيحة الأفغاني بإشراك الأمة في حكم البلاد وإجراء انتخابات نواب عن الأمة – يؤلف الأفغاني الحزب الوطني الحر الذي كان أول حزب سياسي في مصر. ويسارع عبد الله النديم إلى الالتحاق بالحزب.

وعندما يقبض على جمال الدين الأفغاني ينضم عبد الله النديم إلى جمعية سرية اسمها مصر الفتاة وجمعية علنية هي الجمعية الخيرية الإسلامية التي يفصل منها فيما بعد لأسباب غير معروفة.

ويبدأ القلم الثائر حربه ضد الظلم والطغيان..

وبينما لم يكن قد تجاوز السادسة والثلاثين من عمره يصدر عبد الله النديم مجلة "التنكيت والتبكيت" التي كانت معولاً وسيفًا أعمله النديم في جسد الذين يظلمون الشعب المصري.

وعندما يشتد خطرها وتأثيرها تتوقف التنكيت والتبكيت لكن النديم لا يتوقف فيصدر مجلة أخرى يختار لها أحمد عرابي اسمها وهي الطائف التي أصبحت عنوانًا لفكر الثورة العرابية.

وينطلق عبد الله النديم رئيس تحرير الطائف يندد بجرائم الخديو إسماعيل في حق مصر والمصريين، حتى ينعقد مجلس شورى النواب برئاسة محمد سلطان باشا، ويقرر تعطيل الطائف شهرًا.

لكن القلم الذي أرادوا له الاحتجاب ينكسر وينطلق النديم مع فرق للخطابة يطوف أقاليم مصر ومدنها. مشعلاً حماس الوطنيين وداعيًا إلى تأييد الثورة العرابية. ويغني النديم أول نشيد وطني يردده خلفه الشعب المصري. ضد المذكرة الإنجليزية – الفرنسية.

فكان يقول : اللايحة.. اللايحة.

فتردد الجماهير خلفه: مرفوضة.. مرفوضة.

وبعد أن تدك مدافع الأسطول الإنجليزي الإسكندرية.

وتقع الخيانة ويتم القبض على عبد الله النديم. يصدر الحكم بنفيه إلى يافا في فلسطين ولا يعود إلى مصر إلا بعد وفاة الخديوي توفيق.

النديم منسوب إليك
وعندما يواصل رئيس القومسيون التحقيق مع أحمد عرابي يتهمه بأنه أرسل تلغرافًا للسيد قنديل مأمور ضبطية الإسكندرية قبل المقتلة التي جرت يوم 11 يونيه 1882 في الإسكندرية، تقولون فيه له أن يتحد مع سليمان سامي ومصطفى بك عبد الرحيم في إجراء ما نبهتم عليه به.

ويسأله رئيس القومسيون: هل تذكر هذا التلغراف.. وما هي التنبيهات التي نبهت بها عليه؟.

يقول له رئيس القومسيون: ألم يبلغك أن عبد الله النديم كان يتوجه إلى الإسكندرية قبل الواقعة المذكورة، ويجتمع مع الشبان ويلقي عليهم خطبًا مهيجة. حتى إن محافظة الإسكندرية أراد أن يخرجه من البلاد. ولانتساب النديم ومأمور الضبطية لكم لم يحصل منعه ولا إخراجه؟.

يرد عرابي: فضلاً عن عدم إبلاغي بذلك.. فإن عبد الله النديم ليس هو منسوبا لي ولا تحت إرادتي ولا أنا مسئول عنه. كما أن مأمور ضبطية إسكندرية كذلك.

يقول له رئيس القومسيون: معلوم للجميع أن عبد الله النديم كان محرر جرنال الطائف، الذي جميع عباراته منذ نشره مشتملة على تهييج الأفكار. ومحتوية على الأكاذيب، وصدور هذا الجرنال كان في معسكر كنج عثمان الذي كان النديم مقيمًا فيه معكم في مدة العصيان، ولابد أن ما حرره في تلك الجريدة كان يجري إطلاعك عليه. فكيف يمكن إنكار أن النديم ليس منسوبا إليك وهو يقيم معك في المعسكر ويحرر الجريدة التي كانت أيضًا مشحونة بالطعن في حق الذات الخديوية ودولة الإنجليز الفخيمة؟.

يرد أحمد عرابي قائلاً: إن جرنال الطائف جار طبعه ونشره في الحكومة من مدد زمانية ولم يصر قفله في تلك المدد.

أما عن إقامة محرره بالجيش أثناء المحاربة فليس لي حق في منعه. إذ هو مثل أي محرر لأي جرنال من الجرانيل المحلية أو الأجنبية. فلا حق لي في منعه أيضًا، كما جرت بذلك عادة المحاربات. وأما إطلاعي على ما هو محرر بالجرنال يوميُا فإن كثرة أشغالي الدفاعية تمنعني من الإطلاع على الجرانيل. بل كانت تمنعني عن ما هو أهم منها.

تسألونني... عن كل غائب
يعود رئيس القومسيون ليقول له: إقامة عبد الله النديم معك في المعسكر يستدل منها على أن ما حدث منه في تهييج الأفكار ضد الأورباويين بالإسكندرية. ونشأ عنه مقتلة 11 يونيه 1882، كان بتعليماتك له واتحادك معه. ولولا ذلك ما كان ينتمي إليكم وتحميه بالإقامة بطرفك. حتى يتجاسر على تحرير جريدة مماثلة لتلك، والآن لما علم بالقبض عليك وسجنك اختفى عن البصر بالكلية.. وهذا أعظم دليل على انتمائه إليك؟.

يقول عرابي : توضح بجوابي ما فيه الكفاية.. ولا مناسبة لسؤالي عن أعمال شخص آخر لمجرد وجوده بالجيش أثناء الحرب.

رئيس القومسيون : ألم يبلغك أيضا توجه حسن موسى العقاد إلى الإسكندرية قبل واقعة 11 يونيه 1882 واشتراكه مع النديم في تهييج الأفكار؟.

أحمد عرابي : لم يبلغني ذلك.

رئيس القومسيون : أما كان حسن موسى العقاد يتردد عليك بمنزلك والاجتماعات التي كنت تجريها. وألم تتوجه إلى منزله مرارًا؟.

أحمد عرابي : حضور حسن موسى العقاد إلى منزلي لم يكن أكثر من غيره فإني في أغلب أوقاتي ما كنت أتخلص من ازدحام الناس الحاضرين إلى منزلي، ولم يكن حضورهم بدعوة مني إليهم. كما أني توجهت في ضيافتين لمنزل حسن موسى العقاد مع وجود كثير من الأمراء والأعيان والعلماء، وبعد تناول الطعام توجهت إلى أشغالي كما جرت العادة.

رئس القومسيون: إذا لم يكن حسن موسى منسوبًا لك أيضًا مثل النديم. فلماذا اختفى هو كذلك، بعد أن صار سجنك ما دام أنه ليس في الجيش ولا كان موجودًا في المحاربات؟.

أحمد عرابي : يؤخذ عن هذا السؤال أنني أسأل عن كل من غاب مع أني لست بمأمور عليهم.

ورغم ذلك فإن رئيس القومسيون لا يشعر باليأس ويعود من جديد لإثارة كل ما يمكن أن يدين أحمد عرابي.

فيقول له : الجمعية التي صار عقدها بمصر عقب عزلك، كان قد تقرر فيها إرسال وفد لأجل كشف صحة الحال في إسكندرية والتأكد مما إذا كان الجناب الخديوي والنظار ليسوا محجورًا عليهم ولا هم تحت سلطة أحد بل هم في حريتهم. وأعطوكم نصايح بعدم إجراء ما كنت تجريه من العصيان وعدم استماع أوامر الخديوي؟.

يقول أحمد عرابي : لم يحصل ذلك من أحد منهم.. والوفد الذي أرسل إلى الإسكندرية كان بقصد طلب النظار والحضرة الخديوية إلى مصر إذا كانوا أحرارًا في أعمالهم. وقبل ذلك كنت لا يمكنني أن أجري عملاً ما في غير رأي المجلس المنعقد بمصر.

كلفوني بالدفاع عن مصر
يسأله رئيس القومسيون: أي مجلس هذا الذي تقول عنه؟.. وما اسمه؟ ومن الذي أحدثه؟

يرد عرابي قائلاً: هو مجلس إدارة البلاد الذي صار اجتماعه بمصر للنظر في أحوالها وصار تشكيله عقب الحرب باتفاق وكلاء الدواوين المعبر عنه بالمجلس العرفي.

رئيس القومسيون: بأمر من تشكل؟.

أحمد عرابي : بأمر وكلاء الدواوين وبعض الباشوات الموجودين في مصر.

رئيس القومسيون : في أجوبتك السابقة تدعي أن أهالي البلاد وسطوك أنت وباقي الضباط في طلب تشكيل مجلس نواب، ينوب عن الأمة المصرية ومنحتكم الحضرة الخديوية ذلك.

فإن كان العصيان الذي ارتكبته أنت وباقي الضباط ضد الحضرة الخديوية والدولة العلية، فيه أدنى موافقة للأمة المصرية كما تدعوني. فعلى الأقل كنت تستشير رأي مجلس النواب بدل الارتكان على وكلاء الدواوين. وكم شخصًا من الباشوات كما أوضحت الذين أغلبهم لما سئلوا الآن أجابوا أن قبولهم الدخول في هذا المجلس فقط من التهديدات التي كانت تحصل منكم وممن ارتكب جنحة العصيان معكم من باقي الضباط، فمن هنا يرى أن الأمة المصرية حاشا أن يكون لها مدخل في هذا العصيان الواقع منكم، أنتم ورؤساء العصبة العسكرية. وأن ما تحصلتم عليه من الذخاير والاستعدادات في وقت العصيان كان بواسطة قوة الأسلحة التي أعطتها لكم الحكومة.. لحفظ ناموسها وشرفها، وأنتم استعملتموها في هذا الأمر الشنيع الذي أدى إلى الخراب وقتل النفوس بدون وجه حق.. فأفدنا عن ذلك؟.

يقول أحمد عرابي: المجلس الذي تشكل للنظر في أحوال البلاد كان يزيد على الأربعمائة نفس. وكما قلت أولاً كان منهم البرنسات أعضاء العائلة الخديوية وشيخ الإسلام والقاضي والمفتي ووكلاء الدواوين والمديرون وقضاة الأقاليم وأعيان التجار وكثير من أعضاء مجلس النواب وغيرهم من أعيان وعمد البلاد.. وقرروا بلزوم إناطتي بالمدافعة عن البلاد حيث كنت موجودًا صحبة الجيش في كفر الدوار. وجميع العساكر كانت متوزعة في الثغور. ولم أكن موجودًا في المجلس. فكيف يتأتى مع ذلك أن حضورهم كان بصورة تهديدية. وكيف مع ذلك ينسب إلينا وإلى رؤساء الجيش العصيان الذي تكرر لفظه بهذه المذكرة. مع أنه لا توجد أمة من الأمم متصفة بالعدل تستطيع أن تنسب إلينا هذا العصيان المقال عنه. إذ إن الحرب كان افتتاحها بمقتضى قرار من مجلس شكل تحت رياسة الحضرة الخديوية بل الحق كانت شرعية قانونية، ثم بعد ذلك كانت استدامة المدافعة بمقتضى ذلك القرار. الذي لا يمكن القدح فيه بوجه من الوجوه. فالأسلحة ما صار استعمالها إلا لما وجدت له. وهو الذود عن البلاد وحمايتها مدافعة شرعيًا على مقتضى ما تقدم ذكره.

ذهبنا فقط للتهنئة
يسأله رئيس القومسيون: ألم يبلغك البيان الصادر من الحضرة السلطانية في حقك بأنك من العصاة بسبب ما فعلته؟.

عرابي : لم يبلغني.

رئيس القومسيون : بعد هزيمتك بالتل الكبير ورجوعك إلى المحروسة. حررت عريضة إلى الحضرة الخديوية. وأرسلتها مع رءوف باشا وبطرس باشا وعلي الروبي بطلب العفو من الحضرة الخديوية وأنك مطيع ومنقاد لأوامرها العلية فبعد سفرهم ابتدأت ثانيًا في اتخاذ خطوط النار بالعباسية. وطلبت مرعشلي باشا وأمرته بذلك.. فهل يصح أنه بعد العرض بالطاعة يحصل العصيان؟.

عرابي: التنبيه على مرعشلي باشا باستكشاف خط تحفظي على مصر. كان قبل تحرير العريضة وتوجه رءوف باشا ومن معه، ولما رؤي عدم اللزوم صرف النظر وتحررت تلك العريضة.

رئيس القومسيون : لما سئلت عن سبب حصر سراي عابدين بالعساكر في 9 سبتمبر 1881 أوضحت في أجوبتك السابقة بأن بعض أصحاب القضايا تبقى قضاياهم بالمجالس نحو عشرين سنة. حتى يموت أصحابها كمدًا ولا تنظر قضاياهم، ولذلك أردتم تشكيل مجلس نواب لينوب في رؤية حقوق الأمة كما هو بالبلاد المتمدنة. والحال من سياق التحقيقات الحاصلة الآن. أنه بعد هذه الواقعة توجهت أنت وعلي فهي وعبد العال وطلبة ومحمد عبيد وجانب من الضباط لمنزل قدري باشا مذ كان ناظر الحقانية. وطلبتم منه إطلاق عناني بك من السجن الذي كان متوقعًا عليه بأمر المجلس المختلط. ولما لم يوافقكم قدري باشا هددتموه ولم يتخلص منكم، إلا بتوجهه لطرف رئيس النظار وقتها. وأنتم توجهتم في أثره إلى محمود سامي ناظر الجهادية وقتها وأخذتموه معكم، وتوجهتم لطرف رئيس مجلس النظار لهذا الغرض. فهل يقع ذلك من أحد يدعي أنه يسعى في نيل العباد على حقوقها ويريد التشبه بالبلاد المتمدنة متعرضًا إلى أحكام مجلس مختلط أعضاؤه أوروباويون من الدول المتمدنة؟.

يرد أحمد عرابي قائلاً: الحقيقة غير ذلك.. بل الحق أن عناني بك أجرى عمل وليمة في الأزبكية فرحًا وسرورًا بصدور الأمر بافتتاح مجلس النواب، وبناء على ذلك جرى سجنه في الضبطية في أيام العيد، وكلنا توجهنا للمعايدة على سعادة قدري باشا، كما جرت العادة في أيام الأعياد. فذكرنا سعادته بمسأله العناني وترجيناه في إخلاء سبيله لأجل المعايدة مع أولاده، وفيما بعد إذا كان عليه قضية يحاكم عليها. فجاوبنا سعادته بأنه مسجون بالضبطية بأمر المجلس المختلط وسينظر في أمره. ولم تحصل تهديدات ولا يجوز أبدًا إجراء تهديدات لمثل هذا الفاضل.. وهذا هو الحق.

الأمة المصرية كلها
يعود رئيس القومسيون ليقول له: في أجوبتك السابقة أوضحت أن المجلس الذي عقد بالداخلية لم تحصل فيه تهديدات لأحد. وترتكنون على وجود البرنسات والعلماء خاتمين على المحضر الذي تحرر عنه. مع أن هؤلاء أوضحوا أنهم جبروا على ذلك. وفضلاً عن ثبوت حصول التهديدات من عصبتكم العاصية بديوان الداخلية. فإنكم أمرتم بعزل وسجن بعض المديرين وهم شاكر باشا وإبراهيم أدهم باشا وإبراهيم بك توفيق وحسن بك فهمي، وحصل فعلا عزلهم وسجنهم مدة أيام وصار سجن غيرهم، حتى أنه عند دخول الإنجليز إلى مصر – وجدوا نحو الثمانماية شخص مسجونين بالطوبجانة تهديدًا لباقي السكان. وهذه دلايل قوية مثبتة أن الذين ختموا بتلك الجمعيات كانوا مقهورين مجبورين على ذلك، وأن المساعدات التي حصلت من طرف الأهالي لجيش العصاة كانت أيضًا من هذا القبيل.

يرد أحمد عرابي بصبر: قلت بأجوبتي المتقدمة في هذا الخصوص أنه لا يتصور أصلاً حصول تهديدات مجلس مؤلف من أعيان الأمة المصرية ورؤسائها ونبهائها يزيدون على الأربعماية نفس.

كما أن المساعدات والتبرعات التي كانت ترد للجيش المدافع عن البلاد مدافعة شرعية لم تكن بتهديدات أيضًا بل من الناس من تبرع بنصف ماله ومن الناس من تبرع بماله أجمع ابتغاء مرضاة الله. ومن الناس من تبرع بثلاثة آلاف أردب غلال وثلاثين رأسًا من الخيول تبرعًا لمساعدة الجيش. إذ إن الحرب الشرعية إما أن تكون بالنفس أو بالمال أو بالرأي، ومن ضمن من تبرع وافتتح باب المساعدة دواير العائلة الخديوية وأغلب الذوات تبرعوا أيضًا، ولو استكشفت التلغرافات التي كانت ترد من جميع أهالي المديريات. حتى من مديرية إسنا بدون واسطة مديرياتهم. لعلم أن الأمة المصرية جميعها كانت محاربة بمالها وأنفسها. ولو استكشفت قوايم التبرعات لعلم أنه لم يتأخر أحد من أولي الرياسة في المساعدة ومن ضمنهم سعادة خيري باشا حال كونه لم يشهد الحرب بل كان في الإسكندرية.

ومن ضمنهم دايرة دولتلو رياض باشا.

ويسأل عرابي رئيس القومسيون: أفكل هذا كان جبرًا على جميع الناس؟ ومن الذي كان يجبرهم؟ إن هذا الأمر حق تعرفه أهل البصاير الحقة.. وأما الذين وجدوا مسجونين بالقلعة فأظنهم لا يزيدون عن ماية نفس من أرباب الجنايات المحكوم عليهم بالحبس ومحضرين من المديريات.

ولم يصدر مني أصلا أمر بسجن أحد في القلعة أو غيرها. كما أن عزل شاكر باشا وغيره من المديريات التي كانوا بها كان بأمر المجلس الإداري المعبر عنه بالعرفي لا بأمري. وإني ما كنت إلا رجلا مأمورًا بأمر من طرف ذلك المجلس الذي بيده حكومة البلاد. وهو حفظ البلاد والمدافعة عنها.

أسلوب حقير
ويستمر التحقيق مع أحمد عرابي..

ويغتاظ هؤلاء الذين يريدون لف حبل المشنقة حول رقبته من صموده خلال التحقيقات، ومبادرته بالرد الحاسم على كل ما يوجه إليه من أسئلة. والتزامه الذي لا يحيد بأحقية شعب مصر في الدفاع عن تراب وطنه.

ويلجأ هؤلاء إلى أسلوب آخر حقير..

ويحاولون الضغط على هيبة الأسد السجين..

بحيلة قديمة ومعروفة اسمها محاولة النيل من كرامة السجين السياسي. والضغط على أعصابه وهو سجين لا يستطيع الدفاع عن نفسه وهذا ما حدث مع أحمد عرابي.. وهو نائم ذات ليلة في زنزانته بالسجن!.







    رد مع اقتباس
قديم 05 - 03 - 2013, 20:42   #7
معلومات العضو
dr moustafa
أستاذ مساهم
 
الصورة الرمزية dr moustafa
 

المعلومات الشخصية






علم الدولة : Egypt

dr moustafa غير متصل

 

 

 

Moving "محاكمة زعيم"..حجاب علي صدر عرابي لأن أولاده كانوا يموتون بالصرع (7-9)


"محاكمة زعيم"..حجاب علي صدر عرابي لأن أولاده كانوا يموتون بالصرع (7-9)

الثلاثاء 2013/3/5 1:38 م









تأليف ـ محمود صلاح

لم تبرد نار حقد الخديوي توفيق على الزعيم أحمد عرابي، بالقبض عليه وتقديمه إلى محاكمة صورية كان الهدف منها إعدامه ورفاقه. وتأججت هذه النار عندما حول أحمد عرابي الأمر إلى محاكمة للخديوي نفسه. الذي خان مصر وباعها بأبخس ثمن للإنجليز. وذلك بردود عرابي القوية والحازمة على كل ما وجه إليه من أسئلة خلال التحقيق معه.

فلجأ الخديوي إلى أسلوب حقير لعله يطفئ نار حقده..

وبينما أحمد عرابي نائمًا في زنزانته بعد يوم طويل مرهقا من الاستجواب. إذا ببعض الضباط الجراكسة، ومنهم الحارس الخاص للخديوي يقتحمون الزنزانة.. ويحاول إهانة زعيم الثورة العرابية بتوجيه ألفاظ السباب والشتائم البذيئة له.

ولم يتردد أحمد عرابي في صباح اليوم التالي في إبلاغ الكولونيل ولسن عند مروره بالسجن بهذه الواقعة.

ووجد رئيس القومسيون نفسه مضطرًا للتحقيق في الواقعة. لكنه بالطبع كان من ذلك النوع من التحقيقات "الملفقة" التي تنتهي بعدم الوصول إلى الفاعل!

... من أنت؟

وتقرر اللجنة التي كلفت بإجراء التحقيق استدعاء أحمد عرابي من سجنه لسؤاله عن تفاصيل ما حدث في الزنزانة.

ويقول أحمد عرابي لرئيس اللجنة: الساعة تسعة ونص أفرنكي فتح باب الأودة التي أنا بها وكنت نائمًا وقتها وإذا بدخول أناس كثيرين لا أعلم عددهم لكون الأودة مظلمة ليس بها نور.

وقال لي قائل منهم بصورة مزعجة: يا عرابي.

فقمت من نومي فزعًا.

وقلت : ماذا تريد؟.

قال لي : أما تدري.. من أنا؟.

قلت : لا.. أعلمني باسمك وماذا تريد مني في هذا الوقت؟.

فقال: أنا إبراهيم أغا يا ابن الكلب يا خنزير.

ثم تفل علي ثلاث مرات بصورة قبيحة وكلام قبيح. فما أمكنني أن أجاوبه في هذه الحالة وبهذا الوقت. ثم مكث على هذا الحال نحو الثماني دقائق. وخرج مع من كانوا معه. وعلمت أنه هو إبراهيم أغا نوبتجي الحضرة الخديوية. الذي كان قد سبق خروجه من مصر في مدة سرقته مجوهرات شبكة الخديوي.

يسأله رئيس اللجنة: هل تكلم معك أحد خلاف إبراهيم أغا تلك الليلة؟.

يقول أحمد عرابي : لم يدخل عليّ أحد الأودة وأزعجني بكلام غير إبراهيم أغا.

رئيس اللجنة : هل الأشخاص الذين كانوا مع إبراهيم أغا تعرف أحدًا منهم؟.

أحمد عرابي : لا أعلم منهم أحدًا لكون الأودة كانت مظلمة كما قررت.

رئيس اللجنة : من الذي فتح الأودة؟.

أحمد عرابي : الذي أعلمه أن الصاغقول أغاسي الخفير هو الموكول بفتح الأودة. ولا يمكن لأحد فتح الأودة التي أنا بها ممن معه إلا بإذنه.

رئيس اللجنة : هل الصاغقول أغاسي دخل الأودة مع من كان صار دخولهم مع إبراهيم أغا؟.

أحمد عرابي : لم أتحقق من ذلك لظلام الأودة.

رئيس اللجنة : الأشخاص الذين صار دخولهم كان بهم أحد لابسا ملابس عسكرية؟.

أحمد عرابي : الظلام منعني من رؤيتهم.

أولادي كانوا يموتون
يسأله رئيس اللجنة: من ابتداء حضوركم للسجن لحد الآن.. لم يحصل شيء مثل ما حصل في هذه الدفعة.

يرد أحمد عرابي قائلاً: نعم في يوم الخميس 5 أكتوبر 1882 حضرت برفقة الكولونيل يتني الإنجليزي من الأودة التي كنت مقيما بها بطرف خفر الإنجليز بقشلاق عابدين إلى هذا السجن المصري. فصار دخولي في أودة خلاف الأودة التي أنا بها الآن. وبعد دخولي فيها حضر الصاغقول أغاسي الموكول إليه أمر السجن وفتشنا وأخذ منا سندًا مأخوذًا على أحد معاوني الضبطية باستلام أختام حرم وكريمة محمد بك. اللتين كانتا في وصايتي ومن جملة ذلك ورقة فيها مذكرة عن أسباب الحوادث التي طرأت على مصر في الأيام الأخيرة. كان جرى تحريرها لأجل أخذ ما يلزم منها عند الاقتضاء. وأخبرنا المذكور أنه سيعرضهم على المجلس.. ثم بعد ساعة حضر جمع كثير ودخل علي الأودة. فيهم أغوات من القواصة التورك. الذين بمعية الحضرة الخديوية ومعهم تشريفجية أعرف منهم حسين أفندي فوزي. ثم تقدم مني أحد القواصين بصورة هائلة مزعجة.

وقال لي: قم.

فقمت وقلت له: ماذا تريد؟

قال : أريد أن أفتشك.

ومد يده علي وصار يفتشني حتى أخرج الجزمة من قدمي وفتشها أيضًا. فلم يجد معي شيئًا إلا جملة أحجبة كانت تحت ملابسي وهي ليست بشيء وإنما كان حملها بسبب أن أولادي كانت تموت بداء التشنج في حال الصغر. ولم يجد نفعًا فيهم أدوية الحكماء. ففزعنا على حسب اعتقاد الناس إلى التحفظ على الأولاد بحمل تلك الأحجبة. وفي الواقع حفظهم الله بسبب ذلك. ثم بعد ساعة أخرى حضر أناس قواصة أخرى تورك. ومعهم جاويشية مراسلة من مراسلة المعية والحضرة الخديوية وأجروا تفتيشي وتفتيش السجادة والغطاء فلم يجدوا شيئًا فبقوا باقي يومها وليلتها بصفة خفر على الأودة. ولم يحدث منهم ما يكدر الخاطر.

يسأله رئيس اللجنة: هل تعرف أحدًا منهم وإن كان حضورهم بأوامر أم لا؟.

يقول عرابي : لم أعرف منهم خلاف حسين أفندي فوزي وهو الذي يعلمهم.

أقوال الخفير
وهنا يأمر رئيس اللجنة بإعادة أحمد عرابي إلى السجن ثم يبدأ التحقيق الصوري في الواقعة باستدعاء الصاغقول أغاسي المسئول عن السجن.

ويسأله رئيس اللجنة: أحمد عرابي تشكى عليّ أنه في ليلة الأحد الساعة تسعة ونصف أفرنكي يعني الساعة ثلاثة ونصف عربي تقريبًا فتحت الأودة عليه ودخل عليه جملة أناس بما فيهم إبراهيم أغا النوبتجي.. فكيف حصل ذلك؟.

يرد الصاغقول أغاسي قائلا: لم صار فتح أودة أحمد عرابي ولم أحد دخل عليه في تلك الليلة.

رئيس اللجنة : هل يمكن فتح أحد أود المسجونين بغير أمركم؟.

يقول الساغقول أغاسي: لا يمكن فتح أحد الأود إلا بأمري.

رئيس اللجنة: أفدنا عن اسم الخفير الذي كان على تلك الأودة ومفتاحها مع من؟.

الصاغقول أغاسي : الخفير المقيم بالجهة التي بها أودة أحمد عرابي هو مصطفى سليمان والذي معه مفتاح الأودة والأود المجاورة لها هما طلعت عزمي وياور صدقي الصغير.

يستدعي رئيس اللجنة الخفير مصطفى سليمان.

ويقول له : علم أنك كنت خفيرًا على السجن في ليلة الأحد من بعد الساعة ثلاثة لغاية الساعة ستة. فهل كنت خفيرًا في تلك الليلة وفي الوقت المذكور أم لا؟.

يقول الخفير: نعم كنت خفيرًا في تلك الليلة من جهة يمين السلالم.

الخفير: أعرف أودة عرابي وأودة عبد العال.. أما باقي الأود فلم أعلم من بهم.

رئيس اللجنة: هل دخل على أودة عرابي في تلك الليلة والوقت المذكور أحد في مدة خفرتك؟.

الخفير: لم يدخل أحد.

وهنا أيضًا يسمح رئيس اللجنة للخفير بالانصراف ثم يستدعي طلعت عزمي وياور صدقي الصغير اللذين كانت معهما المفاتيح.

ويسألهما: هل صار فتح أودة عرابي ودخل بها أحد في ليلة الأحد الماضي؟.

فيرد الاثنان: في الليلة المذكورة لم صار فتح الأودة ولم دخل أحد.. وإذا لزم فتحها لأجل دخول يمك أو مياه أو لأجل خروج المسجون لإزالة ضرورة، فيكون بحضور الصاغ أو البكباشي.

يسألهما: هل تركتما المفاتيح في جهة ما أو أعطيتموها لأحد؟.

يردان: لا يمكننا ترك المفاتيح أو إعطاؤها لأحد.

وهنا يأمر رئيس اللجنة أيضًا بالسماح للاثنين بالانصراف، لكنه بعد أن يتصل برئيس القومسيون، يعود ليقرر حجز الصاغقول أغاسي والخفيرين مصطفى سليمان وخليل برازي في قشلاق البوليس تحت إذن اللجنة.

واسألوا الخديوي!

وحتى يكتمل التحقيق الهزلي يتم استدعاء إبراهيم أغا..

ويسأله رئيس اللجنة: ما اسمك؟. وما وظيفتك؟.

فيقول : اسمي إبراهيم حليم ووظيفتي نوبتجي باشا الحضرة الخديوية.

يقول له رئيس اللجنة: في ليلة الأحد الماضي هل صار حضورك إلى محل الحبسخانة التي بها المسجونون. ودخلت أودة أحمد عرابي وأحمد عبد الغفار أم لا؟.

بالطبع يرد قائلاً : أنا لم حضرت إلى هذا المحل.. ولم دخلت بطرف أحد من المسجونين ولم يكن لي شغل بطرفهم.

رئيس اللجنة : وما رأيك فيما قاله أحمد عرابي وأحمد عبد الغفار في حقك؟.

يرد إبراهيم أغا قائلاً: لم حضرت ولم حصل مني شيء مثل ما قيل من المذكورين. خصوصًا أنهما قالا إني حضرت الساعة ثلاثة وأربعين دقيقة. مع أني كنت في الليلة المذكورة بخدمتي طرف الحضرة الخديوية لحد الساعة خمسة ونصف ليلاً. حتى دخل جنابه العالي إلى الحرم. وهكذا في كل ليلة لم يمكنني الانفصال من محل خدمتي إلا بعد دخول الخديوي. وإنه يسأل من المعية السنية عن ذلك حتى بالنهار لم يمكنني الانفصال من محل مأموريتي إلا بعذر ضروري وبأمر مخصوص.

هكذا استشهد المرتزقة بالخديوي..

ويتم استدعاء عرابي وعبد الغفار وإطلاعهما بأن إبراهيم أغا ينكر ما حدث.

فأصر الاثنان على أقوالهما.

فيقول إبراهيم أغا : لم أحضر إلى السجن مطلقًا.. وبيني وبينهم جميعًا عداوة من قديم.. والجميع يعلمونها.

وكالعادة.. ينصرف إبراهيم أغا سالمًا.

وينهي رئيس اللجنة التحقيق المزعوم قائلاً: حيث إنه من التحقيق الذي صار إجراؤه، أنكر إبراهيم أغا الحضور كما أن الخفراء والأشخاص الذين معهم مفاتيح السجن والصاغقول أغاسي ايضًا، أفادوا بعدم حضور أحد. فلهذا لم ير شدة ضرورة لحجز الصاغقول أغاسي والاثنين الخفراء بخصوص ما ادعى به كل من أحمد عرابي وأحمد عبد الغفار على إبراهيم أغا والحالة هذه إنما لملاحظة أنه في المستقبل ربما يلزم الحال للاستعلام منهم عن شيء. فالأوفق مخابرة من يلزم بعدم حجزهم الآن. إنما تؤخذ عليهم الكفالات اللازمة. حتى إنه عند اللزوم متى صار طلب أحدهم يمكن الحصول عليه.. وبهذا قررنا هذا القرار على هذا المحضر.

ورقة استفتاء العزل
وفي اليوم التالي يتم استدعاء أحمد عرابي من سجنه ليواصل رئيس القومسيون التحقيق معه.

ويقول له: قد وجدت في الأوراق التي ضبطت في منزلك. ورقة محررة بها صورة استفتاء من العلماء عن جواز عزل الجناب الخديوي. لأسباب تمويهية مخترعة.. فها هي الورقة المذكورة اطلع عليها وأفد.

ويقرأ أحمد عرابي الورقة التي تقول: "ما القول في حاكم مولى من طرف سلطان المسلمين على أن يعدل في الناس ويقضي بأحكام الله فنقض العهد وأحدث الفتن بين المسلمين وشق عصاهم. ثم انتهى به الأمر إلى أن اختار ولاية لغير المؤمنين على ولاية المؤمنين. وطلب من الأمم الخارجة عن الدين القويم أن ينفذوا قوتهم في بلاد حكومته الإسلامية. وحمل رعاياه على أن يدينوا ويخضعوا لتلك القوة الأجنبية. وبذل عنايته في المدافعة عنها. ولمَّا دعاه المؤمنون للرجوع عن ذلك أبى وامتنع وأصر على الخروج من طاعة السلطان والمروق من الشريعة. فهل يجوز شرعًا أن يبقى هذا الحاكم حاكمًا حتى يمكن قوة الأجانب من السلطة في البلاد الإسلامية أو يتعين في هذه الحالة عزله. وإقامة بدل له يحافظ على الشرع ويدافع عنه؟ أفيدوا الجواب.

ويقول أحمد عرابي: اطلعت على الورقة ولم تكن بخطي ولا كانت بطرفي.

رئيس القومسيون: أما تعلم بها كلية؟.
أحمد عرابي : لا أعلم بها كلية.

رئيس القومسيون: لكن هذه الورقة ضبطت ضمن الأوراق التي ضبطها عساكر الإنجليز في منزلكم. ووردت للقومسيون من طرفهم مترجمة بظاهرها بالإنكليزي.. فكيف لا توجد في منزلكم..

أحمد عرابي : يمكن أنها ضبطت بالمنزل من ضمن الأوراق ولا يبعد أنها كانت مع أحد الناس وتركها على الترابيزة التي عليها الأوراق.

المصريون في بيت عرابي
يسأله القومسيون : في مدة سقوط وزارة محمود سامي كنتم جاريين تحرير محاضر بمنزلكم بعزل الجناب الخديوي. وجاريين إحضار الأهالي والعلماء لتختيمهم عليها بالجبر عنهم.. واستحضارهم لمنزلكم كان بواسطة ضابطين من الآلايات. وأشخاص من مستخدمي الضبطية. كما هو متضح من التحقيقات.. فأفد عن أسباب ذلك..

يرد أحمد عرابي: لما تقدمت اللائحة من جناب قنصلي دولتي إنكلترا وفرنسا وقبلها الخديوي ولم تقبلها النظارة. وحضرت أعضاء مجلس النواب وأشيع ذلك بين الناس. تقاطر الناس أفواجًا أفواجًا من المديريات والمحافظات ومصر وإسكندرية. لرفض اللائحة المذكورة ورفض من يقبلها محررين بذلك الإعراضات والمحاضر.. أفهل كان كل هذا جبرًا عن الناس.. وكنت أنا الجابر لهم.. الحق أن جميع المسلمين تأثروا بقبول هذه اللائحة وأنكروها غاية الإنكار، بل إن جميع المصريين أنكروها لما فيها من التدخل في أمور البلاد الداخلية.

يسأله رئيس القومسيون: إلى أين تقاطر الناس. هل إلى منزلكم أو لأي جهة؟ وهل كانت المحاضر التي يحررونها ترد إليكم مختومة أو تختم بمنزلكم؟ وما الذي أجريتموه في هذه المحاضر؟ وأين هي الآن؟.

يرد أحمد عرابي : المحاضر كانت تأتي مختومة وكان حضور الناس بها إلى مصر جهرة لا خفية. وبحضور جميع الناس لمنزلي أو منزل رئيس النظار محمود سامي. كانوا يأتون بها ويقدمونها إلينا إعلانًا بعدم قبولهم اللائحة المذكورة ومن يقبلها. وكان ذلك بحضور أعضاء مجلس النواب وكلهم مصادقون على ذلك. وكما قلنا أولاً فإن الأمة المصرية لم تختلف في هذه الطلبات. وكانت تلك المحاضر باقية بطرف أربابها. وبحضور دولتلو درويش باشا. وتشكيل وزارة راغب باشا وصدور العفو العمومي صرف النظر عن هذا وذاك.

رأي لجنة القومسيون
وأخيرًا ينتهي التحقيق مع أحمد عرابي..

وتخلص لجنة القومسيون التي أجرت التحقيق معه رأيها في وثيقة تقول: إنه لما صدرت الإرادة الخديوية إلى أحمد عرابي باشا في يوليو 1882 بأن الضرب على الطوابي من دومنتمة الإنجليز ما كان إلا للتهديد الذي حصل للدونتمة باستمرار التجهيزات الحربية بالطوابي، بعد صدور الأوامر بإبطالها وأمره الجناب الخديوي بصرف النظر عن جميع العساكر وإبطال التجهيزات. ويحضر لطرف سموه برأس التين لإعطائه التنبيهات اللازمة، فلم يمتثل وأظهر العصيان. بالرد على سموه بأنه لابد من استمرار التجهيزات ما دامت المراكب في الميناء. وفي الحال استعد للمقاومة وجدد استحكامات كفر الدوار وغيرها للمحاربة. مخالفًا في ذلك للإرادة المشار إليها ولم يكتف عرابي بعصيانه للجناب الخديوي كما توضح، بل أرسل الأمر الصادر له بإبطال التجهيزات، وبطلبه كما ذكر (بإفادة منه لوكيل الجهادية بقصد استمرار التجهيزات. ويحذرهم من الإصغاء للأوامر الخديوية التي تصدر إليهم بإبطال التجهيزات. وأنهم لا يتبعون إلا أوامره هو فقط. ولما لم يمتثل عرابي باشا لإبطال الحرب والتجهيزات والتوجه إلى سمو الخديوي واستمر على العصيان صدرت له إرادة خديوية مآلها الشريف أن ذهابه إلى كفر الدوار مستصحبًا العساكر وإخلاء الإسكندرية من غير أن يصدر له أمر بذلك وتوقيف حركة السكة الحديد وقطع جميع المخابرات التلغرافية عن سموه ومنعه ورود البوسطة لجنابه. ومنعه رجوع المهاجرين لوطنهم إسكندرية.. واستمراره على التجهيزات العسكرية. وامتناعه عن الحضور بعد طلبه. كل ذلك أوجب عزله. ولهذا قد عزله من نظارة الجهادية والبحرية. فلم يذعن لهذا أيضًا. بل بقي مستمرًا على ترأسه على الجيش. وعلى استدامة التجهيزات الحربية وتكليف الأهالي بالانقياد لأوامره والمخالفة لأوامر الخديوي. كل ذلك بعد رفع الراية البيضاء إشارة للسلم والدخول في المكالمة. وبعد صدور الأوامر إليه بإبطال التجهيزات وقبل وبعد عزله من نظارة الجهادية. كما هو مثبوت بالدلائل وبالمنشور الذي أصدره لكافة الجهات..

هكذا انتهت محاكمة أحمد عرابي..

وبقي صدور الحكم عليه.. هذا الحكم الذي كان معدًا سلفًا.. قبل المحاكمة!!







    رد مع اقتباس
قديم 06 - 03 - 2013, 22:59   #8
معلومات العضو
dr moustafa
أستاذ مساهم
 
الصورة الرمزية dr moustafa
 

المعلومات الشخصية






علم الدولة : Egypt

dr moustafa غير متصل

 

 

 

Moving محاكمة زعيم"..الأميرة إنجي أرملة الخديوي سعيد تشكرالمحامي "برودلي" لدفاعه عن عرابي (8


"محاكمة زعيم"..الأميرة إنجي أرملة الخديوي سعيد تشكرالمحامي "برودلي" لدفاعه عن عرابي (8-9)

الأربعاء 2013/3/6 2:22 م









تأليف ـ محمود صلاح

سوف يسجل التاريخ أن محاكمة أحمد عرابي زعيم الثورة العرابية. لم يستغرق نظرها سوى خمس دقائق فقط.

فمن البداية وقبل حتى أن يجري القومسيون التحقيق معه ومع رفاقه. كان الخديوي توفيق قد أصدر الحكم بإدانة عرابي وبقية زعماء الثورة العرابية. وما كان التحقيق معه ومعهم إلا إجراء صوريًا. كان لابد منه خاصة أن بريطانيا التي استنجد بها الخديوي لاحتلال مصر كانت تتباهى بأنها دولة متمدنة متحضرة.

لكن ما كان ممكنًا أن يستمر عرابي ورفاقه في العيش في مصر. طالما الخديوي توفيق على رأس الحكم.

ورغم أن قضية أحمد عرابي قد تضمنت الآلاف من الأوراق والمستندات. وكل ورقة ومستند منها، يؤكد أن عرابي استطاع أن يحول محاكمته إلى محاكمة الخديوي نفسه وللإنجليز الذين احتلوا مصر خسة وغدرًا وبطشًا.

تحقيق بعد الظهر
كما تبقى هذه الوثائق شهادات تاريخية لواحدة من أهم القضايا السياسية في مصر. وعلى سبيل المثال فإن من بين وثائق القضية وثيقة بعث بها إسماعيل أيوب باشا رئيس القومسيون إلى المحاميين "برودلي" و "نابير" اللذين توليا مهمة الدفاع عن عرابي ورفاقه. يحيطهما علمًا بالإجراءات التي ينبغي عليهما اتباعها.

ويقول نص الوثيقة: جناب المحترمين سير برودلي الأفوكاتو ومسيو نابير الأفوكاتو.. بالجلسة التي انعقدت بالقومسيون أمس بتاريخه تقرر ما يأتي.

أولاً: متى تم التحقيق الابتدائي مع أحد المتهمين وإذا ثبتت صحة التهمة. يتنبه عليه بانتخاب أفوكاتو هذا إن أراد. وله الحرية التامة في انتخاب الأفوكاتو من الأهالي أو الأجانب الذين يكونون مقيمين في مصر في وقت التحقيق ومقبولين لدى الحكومة. وبعد التنبيه على المتهم بما ذكر بمدة يعينها القومسيون على حسب درجة جسامة الدعوى. أقلها ثلاثة أيام وأكثرها اثنا عشر يومًا. للاطلاع على أوراق التحقيق في محل القومسيون بدون نقلها عنه. يصير الشروع في إجراء القسم الثاني من التحقيق.

ثانيًا : الشروع في إجراء القسم الثاني من التحقيق المختص بالأشخاص الذين تم الآن التحقيق الابتدائي المتعلق بهم يكون في خمسة وعشرين نوفمبر 1882.

ثالثًا: سماع الشهود وإتمام القسم الثاني من التحقيق فيما يتعلق بالأشخاص المذكورين، يكونان في مدة ثلاثين يومًا من خمسة وعشرين نوفمبر الجاري لغاية خمسة وعشرين ديسمبر المقبل.

رابعًا : رئيس القومسيون يوجه للشهود الذين يصير تقديمهم من طرف المتهم أو من طرف المدعي بالتهمة الأسئلة التي يطلب كل منهما توجيهها إليهم ما لم تكن خارجة عن موضوع الدعوى.

خامسًا : إذا رأى الأفوكاتو الموكل عن المتهم. أو الطرف المدعي بالتهمة لزوم توجيه سؤال أو أكثر للمتهمين. فيكون ذلك بواسطة رئيس القومسيون. وفي غير هذه الحالة لا يجوز للمتهمين المذكورين أن يتكلموا.

سادسًا: قبل كل جلسة بيوم على الأقل يجب إخبار رئيس القومسيون بأسماء الشهود. الذين يرغب الأفوكاتو الموكل عن المتهم أو من طرف المدعي بالتهمة سماع شهادتهم في الجلسة التالية.

سابعًا : الأوراق التي يرغب الأفوكاتو الموكل عن المتهم الاستناد عليها في الدعوى، يلزم تسليمها للقومسيون قبل قفل القسم الثاني من التحقيق. وإن لم تسلم فتعتبر ملغاة ولا مفعول لها.

ثامنًا : تحرير المحاضر التي تشتمل على استجواب المتهمين أو شهادة الشهود، يكون بمعرفة كتبة القومسيون. ويوقع عليها الأعضاء، وهي التي تعتبر دون غيرها.

تاسعًا: تنعقد جلسات القومسيون في أثناء مدة التحقيق في كل يوم من الساعة اثنين بعد الظهر لغاية الساعة ستة. ما عدا يوم الجمعة من كل أسبوع، ويكون انعقاد هذه الجلسات لسماع شهادة الشهود الذين يقدمهم الأفوكاتو الموكل عن المتهم، سواء سبق سماع شهادتهم في أثناء إجراء القسم الأول من التحقيق أو لم يسبق. وإذا رؤي للقومسيون لزوم عقد جلسات غير اعتيادية، قبل الظهر سواء كان لسماع شهادة الشهود، الذين يقدمهم المدعي بالتهمة أو لغير ذلك، فيعين أوقات انعقاد تلك الجلسات قبل انعقادها بيوم بالأقل.

عاشرًا: القانون الذي يحكم بمقتضاه على المتهمين هو الدستور العسكري.

رسالة إلى المحامي
ومن أهم هذه الوثائق رسالة بعثها أحمد عرابي من سجنه إلى محاميه برودلي. يروي له فيها ما حدث له عقب تسليمه سيفه ونفسه للجنرال لو، ثم نقله إلى السجن وما لقيه من إهانة فيه على يد إبراهيم أغا.

وقد كتب عرابي يقول في هذه الرسالة: صديقي العزيز والمحامي عني مستر برودلي.. إنه بناء على ما تيقنته من حسن مقاصد دولة إنجلترا. سلمت سيفي ونفسي إلى خدمة وشرف الإنجليز عن يد الجنرال لو. بالنيابة عن القائد العمومي للجيش الإنجليزي الجنرال ولسلي. حالة كوني كان في نفسي حرص عن العساكر المصرية خمسة وثلاثين ألف نفر. وفي باقي الجهات مثلهم وأعلى من ذلك. ومكثت مع معسكر الإنجليزية مكرمًا عشرين يومًا. من ابتداء ليلة 15 سبتمبر لغاية 4 أكتوبر سنة 1882. وفي يوم 5 أكتوبر صار سجني في السجن المصري. فحصل لي من الإهانة ما يأباه شرف إنجلترا وشرف كل إنجليزي. وذلك أنه فضلاً عن تفتيشي من خدامي وخفراء سراي الخديوي. وتردد ذلك التفتيش أربع مرات. حتى قلعوني الجزمة من أقدامي في يوم واحد.. وفي ليلة 9 أكتوبر الساعة ثمانية ونصف. بعد أن نمت فتح علي الباب ودخل علي نحو عشرة أو أزيد من الناس. وقال أحدهم "يا عرابي.. أتعرف من أنا" فقلت: لا.. من أنت وماذا تريد مني في هذا الوقت؟ فقال "إنا إبراهيم أغا الذي كنت داير وراه يا كلب يا خنزير" وتفل عليّ ثلاث مرات. وصار يسبني وشتمني. حتى تصورت أنه مأمور بقتلي بهذه الليلة. ومكث على ذلك نحو ثماني دقايق. وخرج من المحل الذي أنا مسجون به. وحيث إن حصول ذلك لا ترتضيه ذمة وشرف إنجلترا. خصوصًا لمثلي الذي سلم نفسه اعتمادًا على شرف الدولة الإنجليزية. فقد حررت هذا بما حصل لي من الإهانة.

..... والتوقيع والختم.. أحمد عرابي

كتب الشيخ محمد عبده
وهناك وثيقة أخرى عبارة عن رسالة كتبها عبد العال حلمي أيضًا على المحامي برود لي يشكو له فيها من سوء معاملته في السجن. وكيف أنهم استولوا على مفتاح خزينته. وأن إبراهيم أغا نوبتجي الخديوي توفيق اقتحم عليه زنزانته وأهانه.

وقال له: أنتم وقعتم يا أولاد الكلب.. أنا رايح أوريكم.

كما كتب الشيخ محمد عبده رسالة مماثلة إلى مستر برودلي يقول فيها: أقول إن إبراهيم أغا النوبتجي دخل عندي في يوم الخميس 25 ذي القعدة. وشتمني وكان معه جملة من شاويشية المعية السنية. جاءوا لأجل تفتيش أودتي. وبعد التفتيش بغاية الدقة أخذوا من عندي ثلاثة مجلدات. مجلدين من كتاب العقد الفريد في علم الأدب. والمجلد الأول من تاريخ ما توسط من القرون ترجم من الفرنساوي للعربي بطبع مصر.

ولما سألت حامل المجلدات: إلى أين تأخذ الكتب.. وإذا كان لابد من أخذها فلتوصلوها إلى بيتي.

فقال لي: وهل لك بيت؟.

"ومكثت بعد ذلك ثمانية عشر يومًا لا يدخل عندي مكتوب ولا مقروء من أي نوع كان. حتى جاء عندي من رجال الدولة الإنجليزية من يسأل عن حالي. فطلبت منه الإذن بدخول المصحف فأذن لي به. وأنا بذلك فرح كأني خرجت من الحبس".

وتوقيع الرسالة.. محمد عبده

كما أرسل أحمد عرابي رسالة أخرى عاجلة إلى المحامي برودلي يخبره فيها أن عربات كثيرة تأتي إلى الشارع وتقف عند باب السجن العمومي بعد الظهر وأنه لاحظ أن قومسيون التحقيق منعقد على غير العادة فساوره الشك. وطلب في نهاية رسالته من برودلي تحري الأمر حفاظًا على حياة المسجونين.

وقال أحمد عرابي في رسالته التي كتبها بخط يده: جناب المحامي عني.. المستر برودلي.. زيد فضل.. يا عزيزي في ليلة الأربع الموافق 4 محرم في الساعة ثلاثة عربي وربع الموافقة الساعة ثمانية وربع أفرنكي بعد الظهر من يوم 14 نوفمبر 1882. نظرت عربات كثيرة تأتي في الشارع. وتقف عند باب السجن العمومي ثم يعود بعضها. فظننت أن هذا الأمر غير اعتيادي. وبخروجي إلى محل الراحة علمت أن المجلس منعقد لغاية ذلك الوقت. وحيث إن ذلك غير معتاد. فحصل عندنا فكر زايد. فنرجوكم استكشاف هذا الأمر والوقوف عن أسباب ذلك لحفظ المسجونين.

تشكرات.. الأميرة إنجي
ومن أطرف هذه الوثائق رسالة بعثت بها الأميرة "إنجي" أرملة الخديوي سعيد باشا والتي اشتهرت بفعل الخير. إلى المحامي برودلي تشكره فيها على ما بذله من جهد لإنقاذ حياة أحمد عرابي.

وقالت الأميرة إنجي في رسالتها: جناب المسيو برودلي.. أهدي لجنابكم واجبات الثناء بكل احترام كما هو لايق بالمقام. بما أن هذا القطر المصري قد شرف بوجودكم ونال السعادة بطلعتكم البهية ونوراتكم المرضية. فحصل عندنا وعند عموم أهالي هذا القطر مزيد المسرورية. من حسن وصداقة مساعي جنابكم الخيرية. التي أوجبت إظهار العدل والإنصاف بأنفاس جنابكم الطاهرة. ولا زلنا مؤملين بمشيئة الباري تعالى مرور العدل دايمًا على هذا النسق. ثم ولما اشتهرتم به من المساعي الحميدة والفعل المبرور الذي خلد في القلوب السرور. وحملني بالتشكر لجنابكم. وإظهار ممنونين نحوكم. حتى بيضتم تاريخ دولة إنجلترا المتصفة بالعدل والكرم وعمل الشرف من القدم. لا زالت السعادة محاطة بها. حيث إنها الواسطة في إزالة الكروب. كما أتشكر خصوصًا لجناب المحتشم المسيو.

يوم الإسكندرية
لكن من أخطر الوثائق التي ضمتها أوراق القضية رسالة بعث بها أحمد عرابي إلى لورد "شارلس باريسفورد" يروي فيها قصة ضرب الإسكندرية. وكان المحامي برود لي قد طلب من أحمد عرابي كتابة هذه الرسالة.

ويقول عرابي في رسالته: "إلى صاحب الدولة والإجلال اللورد شارلس باريسفورد.. إني أقدم أعظم التحيات وأزكي التسليمات لفخامتكم. وأتشكر لدولتكم على ما أظهرتموه نحوي من حسن المساجلة. وانتصاركم للحق في المدافعة عني من غير سابق مقابلة. لكن الأرواح الحرة متعاضدة في خدمة الإنسانية بأعمالها الشريفة. هذا وإني أؤكد لدولتكم أنه لم يكن بين المصريين والأمة الإنجليزية أدنى عداوة أصلاً تستوجب حصول ما حصل. بل ولغاية الآن لم يعرف أحد من المصريين الأسباب التي ابتنى عليها حصول الحرب التي حصلت، حيث إنه لغاية الساعة التي ابتدئ فيها بضرب المدافع على إسكندرية. كانت الأمة المصرية محافظة كل المحافظة على حقوق الأمة الإنجليزية. بل وعلى حقوق جميع إخوانهم الأوربيين. وأظن أن سبب الحرب مجهول أيضًا عند الأمة الإنجليزية. فلما حصلت الحرب وكان تقرر بالمجلس المنعقد لذلك رياسة الخديوي ودرويش باشا مندوب السلطات بلزوم المدافعة. فالتزمنا بأمر المدافعة بمقتضى هذا القرار الشرعي.

ويمضي أحمد عرابي قائلاً في رسالته للورد باريسفورد "وكانت مدافعتنا عن بلادنا بمقتضي الشرع والقانون. لكون الخديوي الحاكم الشرعي وجميع وكلاء الحكومة. ولما كانت الحرب قايمة في إسكندرية. كانت تأتينا رسل الخديوي يحرضوننا على القتال ويمدحوننا على الصبر والثبات. مع عدم جودة الأسلحة ورداءة الطوابي. وبعد تدمير الطوابي وتعطيل المدافع. عقد مجلس آخر تحت رياسة الخديوي ودرويش باشا أيضًا. للنظر فيما يصير إجراؤه بعد ذلك. فتقرر فيه أنه إذا حصل الضرب على الإسكندرية في اليوم الثاني يصير رفع الرايات البيضاء من الطوابي. علامة على طلب المكالمة وقد حصل ذلك. وإننا كنا مستعدين في كل وقت لطلب الصلح. لكن لما أرسل طلبة باشا للمكالمة. قيل له إن الأميرال سيمور يطلب تسليم ثلاث طوابي لاتخاذها معسكرًا للجيش الإنجليزي. وتقرر بالمجلس أيضًا أن هذا الطلب من حقوق الحضرة السلطانية. وقيل من مندوب الأميرال إنه إذا لا يجاب لهذا الطلب فإنه يصير إعادة الضرب بالمدافع وأخذ تلك الطوابي قهرًا. وحيث إن موقع إسكندرية لا يناسب لإقامة العسكر فيه ويخشى من اتخاذ خط الرجوع وضبطه من خلفهم بواسطة العساكر الإنجليزية. انجبرت العساكر المصرية على الرجوع إلى جهة كفر الدوار. لتكون آمنة على خط الرجعة. ومن هذا يعلم أنه لو خرجت العساكر الإنجليزية في ثاني يوم بعد الظهر لما وجدت ممانعة، وكان أمكنها حفظ البلد من النهب والحريق أيضًا. وهذا البيان بناء على طلب المستر نابيا عني في المحاكمة. وأرجو دولتكم قبول احتراماتي الفائقة لمعالي فخامتكم.. توقيع أحمد عرابي بتاريخ 10 ديمسبر 1882".

موعد المحاكمة
انتهى التحقيق مع أحمد عرابي ورفاقه من زعماء الثورة العرابية.. وتحدد موعد محاكمته يوم 16 أكتوبر الساعة 2 بعد الظهر. فلزم إشعاركم كي تستعدوا للمدافعة عن أنفسكم. وإن رأيتم تعيين من يحامي عنكم فلا بأس في ذلك. بشرط أن تنتخبوه من الأشخاص الأهليين المتعاطين حرفة الأفوكاتية الموضحة أسماؤهم بالكشف طيه. واعلموا أنه سيصرح للأفوكاتو الذي تنتخبونه بالدخول عندكم في السجن والمكالمة معكم. وله أيضًا أن يقف عن الأوراق المتعلقة بقضيتكم. وموجودة بقلم كتبة قومسيون التحقيق. إنما كل هذا لا يكون إلا برخصة من رئيس القومسيون.

ومضت الأيام..

وحان موعد المحاكمة التاريخية..

التي للأسف لم تستغرق سوى خمس دقائق. صدر بعدها الحكم. المعد سلفًا بالطبع!.







    رد مع اقتباس
قديم 10 - 03 - 2013, 19:52   #9
معلومات العضو
dr moustafa
أستاذ مساهم
 
الصورة الرمزية dr moustafa
 

المعلومات الشخصية






علم الدولة : Egypt

dr moustafa غير متصل

 

 

 

Moving "محاكمة زعيم".. سر المرأة المجهولة التي قدمت باقة إلي عرابي في المحكمة(9-9)


"محاكمة زعيم".. سر المرأة المجهولة التي قدمت باقة إلي عرابي في المحكمة(9-9)

الخميس 2013/3/7 3:55 م












تاليف ـ محمود صلاح

ربما لم يشهد تاريخ القضاء المصري مثل قضية محاكمة أحمد عرابي زعيم الثورة العرابية، هذا الضابط الفلاح الذي جاء من أعماق الريف المصري ورغم أنه تبوأ أكبر المناصب العسكرية حتى أصبح ناظرًا للجهادية إلا أن المنصب الكبير والرتب والنياشين لم تمنعه من أن يعلن الثورة على الخديوي من أجل كل المصريين. وأن يتصدى بكل جسارة وشجاعة لأساطيل وجيوش المحتل البريطاني.

إن وقائع محاكمة عرابي وأسرار القضية التي لم تذع من قبل. هي أشرف وسام للمواطن المصري.

ومن ناحية أخرى فإن تفاصيل القضية ومحضر استجواب أحمد عرابي، وحكم إعدامه الذي استبدل به النفي إلى الأبد من الأقطار المصرية، ستظل بكل ما فيها من أسرار وتناقضات شاهدًا على تاريخ مصر العظيمة وشجاعة رجالاتها الأوفياء، وكيف حاول – ويحاول – اللصوص والمنافقون تزييف هذا التاريخ برذاذ أسود وزبد الفقاعات الهشة. لكن الثوب يبقى ناصعًا رغم الرذاذ، والزبد دائمًا يذهب هباء.

ويكفي أن تهمة أحمد عرابي كانت الخيانة العظمى لأنه أبى الاستسلام وأصر على الدفاع عن مصر ضد الإنجليز.

ونختتم فى الحلقة الاخيرة فصول هذا الكتاب الذى تحدث عن حقبة تاريخية هامة فى مصر

حان موعد المحاكمة المهزلة.. محاكمة الزعيم التي لم تستغرق سوى دقائق فقط أعلنت المحكمة بعدها الحكم المعد من قبل وهو الموت. وحتى تكتمل فصول المحاكمة المهزلة كان لابد أن يعلن الخديو عن رقة قلبه وواسع رحمته بتخفيف حكم الموت إلى النفي إلى الأبد خارج الأرض والملحقات المصرية.

ولن يجد أي مؤرخ دلالة أقوى على هزلية محاكمة أحمد عرابي من وصف المحاكمة الذي جاء في جريدة الأهرام التي كانت من البداية قد اتخذت موقفا منحازا إلى الخديو توفيق وضد أحمد عرابي والثورة العرابية، وهو موقف جعلها تهبط إلى وصف عرابي ونعته بأقذع الأوصاف والنعوت.

هيئة المحكمة
بتاريخ أول ديسمبر 1882 كتب مراسل الأهرام تحت عنوان محاكمة عرابي يقول: اتصل بي أمس أن محاكمة هذا الرجل ستكون يوم الأحد، وكان هذا الخبر غير معلوم إلا عند قلة من الناس. فاهتممت بالحصول على تذكرة الحضور وكان لي ذلك وفي صبيحة هذا النهار ذهبت إلى الدائرة حيث سجن العصاة.

وقابلت بعض الصحب الذين علمت منهم قرب ساعة المحاكمة وأنها ستكون على موضوع العصيان فقط لا على رفع الراية البيضاء ولا على القتل ولا على الحريق خلافا لما كان يتوقعه الرأي العام.

ويصف مراسل الأهرام ما حدث خلال المحاكمة فيقول: عند الساعة التاسعة إفرنجية من صباح ذلك النهار. دخلنا قاعة المجلس العسكري وإني أقص لكم تفصيل ما جرى بدقة، كم هو عظيم هذا المجلس من الداخل كنمط المجالس المختلطة. وعند الساعة التاسعة والنصف دخل حضرة سعادتلو رءوف باشا الرئيس يتبعه حضرات الأعضاء أصحاب السعادة إبراهيم باشا وخورشيد باشا وعثمان باشا لطيف وأحمد باشا حسين وحسين باشا نعيم وسليمان باشا نيازي وجميعهم بالملابس الرسمية والنياشين الفاخرة، فجلست ثلة عن يمين سعادة الرئيس وثلة عن يساره وكان في الجهة اليمين أيضًا حضرة السير شارلس ويلسون وبعض الإنجليز، وعن الجهة اليسرى كتاب أسرار تنصلتو إنكلترا الجنرالية، وكان أمام الرئيس حضرة الكاتب البليغ رفعتلو عبد اللطيف أفندي الصيرفي كاتب أول المجلس الحربي وبجانبه المسيو برودلي محامي عرابي الأول ثم رفاقه، وحضر في هذا الانتظام الجرائد الأجنبية وسواهم بما لا يزيد عددهم على الثلاثين.

الحكم بعد الظهر
ولما انتظم المقام أمر حضرة الرئيس بإحضار أحمد عرابي.

فتوجه ضابط وأتى به يخفره عسكريان ببنادقهما كالعادة الجارية مع كل سجين، قد دخل القاعة وهو أصفر اللون وجلس.

فخاطبه سعادة الرئيس قائلاً: أحمد باشا عرابي؟.

فانتصب.

فقال الرئيس: تبين مما أوضحه مجلس التحقيق أنك عصيت وحملت السلاح ضد الحضرة الخديوية. فكنت بذلك مضادًا للبند 96 من القانون الحربي العثماني، والبند 59 من قانون الجنايات العثماني.. فهل تعترف أنت نفسك بالعصيان؟.

فلما انتهى حضرة الرئيس جلس عرابي..

ووقف المسيو برودلي محاميه وقال باللغة الفرنساوية: إن موكلي يعترف بارتكابه العصيان. وأنا المحامي عنه أصدق على ذلك.. وإليكم إعلانا موقعًا منه بهذا الشأن. فأخذ كاتب المجلس هذا الإعلان العربي في العبارة وتلاه على الحضور وملخصه: إنني أعترف بعصياني ضد الحضرة الخديوية وأقر بذلك موافقة لرأي المحامي عني.. توقيع.. أحمد عرابي المصري.

وعند ذلك انتصب سعادة الرئيس وقال: إن صدور الحكم سيتم بعد الظهر.

وهكذا انفضت الجلسة التي لم تستغرق من الوقت إلا خمس دقائق.

إذا عاد.. يقتل
يقول مراسل الأهرام: تلك هي المحاكمة التي طنطنت الجرائد بأحكامها. وبسط الكُتَّاب شروحا عنها واختلفوا رأيا في شأن مدة تحديدها؛ إذ قال بعضهم إنها ستستغرق شهرًا وآخر شهرين وآخر شهورا، وسيكون منها كذا وكذا وهلم جرا. فهي لم تستغرق من الزمن إلا دقائق خمسًا لا غير.

وبعد انفضاض المجلس تقدم بعض كتاب الجرائد الإنكليزية وسلموا على عرابي وانصرف كل إلى مكانه. ولما كانت الساعة الثالثة بعد الظهر رجعنا إلى محل المجلس، ووفد العالم حتى بلغ عددهم نحو المائتين بينهم قليل جدا من المواطنين. وحضر في هذه الحفلة دولتلو نوبار باشا والجنرال إليزون.

ثم أقبل المجلس العسكري بالأثواب الرسمية كالعادة فانتصب الحاضرون ثم استوى كل في مقامه. وأمر سعادة الرئيس بإحضار أحمد عرابي فأحضر على نحو ما أحضر. فخاطبه سعادة الرئيس بما يلي: بناء على اعترافك بالعصيان، وإقراركم بحملك السلاح ضد الحضرة الخديوية لم يكن للمجلس إلا أن يصدر الحكم عليك، ولقد أصدره باتفاق الآراء عملا ببندي 96 و 59 من القانون العثماني، اللذين يقضيان على من أتى العصيان بالإعدام فالمجلس قضى بقتلك.

ثم أردف حضرة الرئيس وقال: وإننا لما رفعنا هذا الحكم إلى الحضرة الخديوية التي هي منبع الجود والرحمة، رأت أن تستبدل القصاص بقصاص آخر وقد أصدرت أمرها الكريم بهذا الشأن. ثم سلم صورة هذا الأمر إلى رفعتلو عبد اللطيف أفندي فتلاه جهرة وهو: نحن خديوي مصر.. بناء على ما لنا من حقوق العفو المختص بنا فقط، وبناء على أن المجلس العسكري أصدر اليوم حكمه بقتل أحمد عرابي عقابا لعصيانه اقتضت رحمتنا أن تستبدل بهذا القصاص ما يلي:

البند الأولي: ينفى أحمد عرابي من جميع أرض مصر وملحقات الحكومة المصرية.

البند الثاني : وإذا رجع أحمد عرابي إلى أرض مصر فلا يعامل بالعفو بل يقتل.

البند الثالث: على رئيس نظارنا ونظارنا كل بما خصه تنفيذ أمرنا هذا.. التوقيع: محمد توفيق.

ومصادرة أملاكهم
ويصف مراسل الأهرام ختام المحاكمة الهزلية قائلاً: وعند تلاوة الأمر السامي.. قال سعادة الرئيس: انفضت الجلسة.

فأعيد عرابي إلى محبسه وكان ثمة سيدة لم أعلم من هي قدمت للمنفيِّ ضمة زهور فليحكم القراء على مثل هذا السلوك. أما الجلسة فلم تستغرق إلا عشر دقائق.

وقد انصرف الحضور والذهول مستول والأفكار مختلفة والآراء متباينة. وإننا لنترك الخوض في هذه المحاكمة وفي الأعمال التي جرت من البداية إلى النهاية إلى فرصة أخرى مكتفين الآن بأن نخاطب مستر بلونت بقولنا: طب نفسًا وقر عينًا فلا حاجة لاكتتاب يصرف خدمة في الدفاع عن خليلك. فقد انقضى الأمر على ما تتمنى وتروم. وإننا لننتظر ما ستبسطه جرائد أوروبا في هذه المسألة المهمة وما ستفصله وتخيطه.

وفي نفس العدد نشرت الأهرام تحت عنوان تلغراف خصوصي لجريدة الأهرام: تقول: مصر في 2 ديسمبر سنة 82 الساعة 2 والدقيقة 28 بعد الظهر.. حوكم عرابي صباح اليوم بجريدة العصيان. فاعترف أنه حمل السلاح ضد سمو الخديوي. وفي هذه الدقيقة قضى عليه المجلس العسكري بالقتل طبقًا للبند 96 و 59 من القانونين العسكري والجنائي العثماني، أما سمو الخديوي فاستبدل بعقاب القتل النفي المؤبد إلى خارج الأرض المصرية على أنه إذا عاد إليها يشنق دون محاكمة، وكان الناس الذين حضروا الجلسة قبل الظهر قليلين وبعده كثيرين. ثم نشرت الأهرام تحت عنوان قرار أصدره سعادة ناظر الداخلية تقول: بناء على الأمر الصادر في 2 صفر سنة 1200 هـ الموافق 14 ديسمبر سنة 1882 بأن أملاك أحمد عرابي وطلبة عصمت وعبد العال حلمي ومحمود سامي وعلي فهمي ومحمود فهمي ويعقوب سامي صارت ملكًا للحكومة قد قررنا ما هو آت:

أولا: قد ترتب قومسيون مخصوص يكون مركزه ضبطية مصر. وهذا القومسيون مكلف بحصر أملاك المذكورين، وإجراء تنفيذ مفعول الأمر العالي المشار إليه. لحد إعمال التصفية عن قيمة ما يصير بيعه.

ثانيًا: المكاتبات والأوراق التي تتقدم عما يتعلق بحصر أملاك المذكورين وحقوقهم ترد إلى نظارة الداخلية وهي تجري توصيلها إلى القومسيون المذكور، الذي يخابر الداخلية عن جميع إجراءاته.

من تكــون
وعودة إلى وصف الأهرام لجلسة المحاكمة، لابد أن تنتهي بسؤال.. من تكون تلك المرأة المجهولة التي تقدمت بكل شجاعة نحو أحمد عرابي في هذا الموقف المهيب وهو يستمع داخل قاعة المحكمة إلى الحكم بإعدامه ثم نفيه إلى خارج مصر، لتقدم له وسط ذهول الجميع.. باقة من الزهور..؟

من تكون هذه المرأة الشجاعة؟

أتكون هي نفسها الأميرة (إنجي) أو إنجه كما كان يطلق عليها. وهي إحدى أميرات الأسرة الخديوية من اللائي تعاطفن مع أحمد عرابي والثورة العرابية؟

الإجابة عن السؤال لابد أن تمر عبر سؤال آخر هو: ماذا كان دور المرأة المصرية في الثورة العرابية؟

على لسان المستر برودلي محامي أحمد عرابي والذي ألف كتابًا عنوانه كيف دافعت عن عرابي.. تضمن فصلاً كاملاً عن دور المرأة المصرية في ثورة عرابي، كتب محمد عودة تلخيصًا لبعض ما في هذا الفصل.

ويقول المحامي برودلي فيه: ليس في الشرق بلد يبدو فيه نفوذ المرأة واضحًا كما يبدو في مصر، ولقد وجد عرابي منذ اللحظة الأولى بين سيدات مصر تأييدا للقضية الوطنية ومبادئه، وقد ظللن ثابتات على حماسهن وتأييدهن حتى اللحظة الأخيرة، أي حينما انطفأ الخيط من الأمل. وقد جرف الحماس أميرات الأسرة المالكة الخديوية فيما عدا أم توفيق وزوجته، وكن لا يخفين تأييدهن القوي للثورة العرابية.

دور المرأة المصرية

ويضيف المحامي برودلي: وحدث في اليوم التالي لضرب الإسكندرية أن هبت فتيات مصر، وبنات الأسر الكبيرة لجمع التبرعات وبذلها، وجمعن تبرعات كبيرة وألفن فرقة لتحضير الضمادات ولوازم الجرحى لإرسالها للأطباء الذين كانوا يعملون في الخطوط الأمامية في معركة كفر الدوار.

وقد كان تأييد النساء المحجبات في الحريم هو الضربة القاضية على حجج الذين كانوا ينكرون على حركة عرابي أنها ثورة شعبية شاملة، وحدث بعدما انتهت محاكمة عرابي ببضعة أيام وكنت قد بقيت في القاهرة في فندق شبرد، أن جاءني ذات يوم رسول خاص في زيارة غامضة وقال لي إن معه رسالة من سيدة كبيرة المقام، وسلمني الرسالة ومعها مجموعة من الهدايا الثمينة الفاخرة لي وللمستر نابيير مساعدي في الدفاع.

وكان نص الخطاب إلى المستر برودلي المحامي.. بعد تحياتي واحترامي وشكري لشخصك الشريف. فإني أنتهز هذه الفرصة لأعبر لك عن امتنان نساء وشعب مصر كله ونحن والمصريون جميعًا نشعر بالفرح وعرفان الجميل لما أديته من خدمات ولأنك دافعت عن قضية العدالة والإنسانية، ونحن المصريات والمصريين سنصلي وندعو الله أن يحقق لك السعادة والتوفيق. كما ندعو الله أن يلطف بهذا البلد.

.. إنك بدفاعك عن أبناء هذا البلد الذين ثاروا من أجله والذين لا يريدون له سوى الخير قد جعلتنا نعز انجلترا ونرى فيها أحرارا يساعدوننا في محنتنا، وإننا لنشكر المستر بلنت شكرًا عميقًا على جميله نحونا، وإن أنباء ما فعله لتثلج صدور المصريات والمصريين جميعًا. ولهذا فمهما فعلنا لن نستطيع أن نعبر لك عن شكرنا.. التاريخ 15 ديسمبر 1882.. وكان التوقيع.. إنجه

يقول بلنت: وهذا كل ما عرفته عنها!.

رأيناه.. منقذ مصر
ويكمل قائلاً : وبعد بضعة أيام تلقيت زيارة مماثلة، لكنها هذه المرة كانت من فتاة جميلة متحمسة، جاءت وقالت لي إنها تريد أن تشرح حقيقة مشاعر نساء مصر نحو الأحداث الأخيرة.

كانت تتدفق حماسة وهي تقول لي: لقد كانت كل فتاة وسيدة في مصر تعطف سرا، ومن أول لحظة على عرابي، لأننا أدركنا أنه لا يريد سوى خير مصر. ولقد اعتقدنا حينا أن توفيق نفسه يؤيد عرابي، ولهذا أحببناه ولكن حينما وجدنا أنه يكيد له ويخون مصر كرهناه وكرهناه بشدة، ومن يومها حاول توفيق أن يستعمل عطف سيدات وبنات الأسر عن طريق أمه وزوجته بلا جدوى، بل وكرهته الأميرات وذهبت إحدى الأميرات الكبيرات إليه وقالت له في مواجهته رأيها بصراحة فيه وفي تصرفاته السياسية، وبعدها بقليل رحل توفيق إلى الإسكندرية وسمعنا بعدئذ أنه انحاز نهائيا للإنجليز. وبدأت الاجتماعات النسائية في الحريم، وصممت كل المجتمعات على عدم الاعتراف إلا بعرابي كزعيم شعبي يدافع عن البلاد، لقد كنا جميعًا نرى في عرابي زعيمًا شعبيًا سيتم على يديه الخلاص، وكان حماسنا له لا يعرف حدودا، وكنا جميعًا نكتب له خطابات إعجاب ونبعث له بتلغرافات تهنئة وتشجيع بأسماء مستعارة ولقد كتبت له إحدانا خطابا حماسيا بتلغرافات تهنئة وتشجيع بأسماء مستعارة ولقد كتبت له إحدانا خطابا حماسيا "إلى منقذ مصر" تعرض عليه الزواج لتقف إلى جانبه وتؤيده. ورد عليها عرابي شاكرا وطلب منها أن تؤدي واجبها الوطني في مكانه.

ولقد ساهمت كل سيدة وفتاة في نفقات الحرب حسب مواردها، وكنا نجمع التبرعات بانتظام، ونشتغل طوال اليوم بجد في إعداد ما يلزم الجنود من أدوية وأغطية وضمادات، حتى كان ذات يوم إذ جاء عرابي إلى القاهرة، وسرت شائعة قوية بأنه قد جاء معه برأس الجنرال ويلسلي والأميرال سيمور، وطغى علينا الفرح، ولكن ما لبثنا أن عرفنا الحقيقة المرة، وأن عرابي قد مني بهزيمة ساحقة. واستولى علينا ذهول وحزن أليم، واستغرقنا في بكاء مستمر حتى بلغت حالتنا مبلغ اليأس الأليم.

الخديو.. وأمه

وتستمر الفتاة المصرية المجهولة تروي قائلة: وحينما عاد توفيق منتصرًا مزهوا إلى القاهرة توقعنا أن يصب العذاب والغضب على نصيرات عرابي، وبالفعل ما إن وصل حتى أرسل إلى الفتاة التي كانت قد أرسلت خطابا إلى عرابي، وأعلن أنه سيذيقها العذاب المر لولا أن تدخلت أمها وأعلنت بجرأة أنها هي التي كتبت الخطاب، ووقعت عليه باسم ابنتها وحينما خرجت الأم وابنتها من عند توفيق التقتا الأغا الذي أبلغ الخديوي توفيق بقصة الخطاب ووشى بها إليه، فأمسكت الأم بكرسي وضربته على رأسه وانهالت عليه ضربا وأخذت تجري وراءه في أرجاء السراي، والدم ينزف منه تريد أن تفتك به نهائيًا.

وأمر توفيق بجمعنا كلنا بعدما دله جواسيسه علينا، وكان أكثرنا يرتجف من الخوف. وذهبنا وكان توفيق يجلس وإلى جواره أمه وما إن اكتمل عددنا حتى انهالت علينا أمه بأقذر وأقذع السباب وأعلنت لنا في تشف أن بطلنا عرابي سيسلمه الإنجليز إلى الخديو لكي يعدم ببطء على الخازوق، وقرأت علينا قائمة بأسماء زعيمات حركتنا، وقالت إنه قد تقرر إعدامهن وسرى فينا الرعب وظللنا خائفات بضعة أيام، حتى تحققنا من أنه لا توفيق ولا أمه يستطيعان أن يحركا إصبعا بغير موافقة الإنجليز أسيادهما وحينما عرف أن حياة عرابي لن تمس وأنه سينفى فقط لبست أم توفيق الحداد. وسرى الوجوم والحزن في السراي وأخذنا نحن بدورنا نتشفى فيهم.

يقول المحامي برودلي: إن الفتاة الجميلة المتحمسة اختتمت حديثها معي قائلة: أحب أن أقرر لك كي تعلن للعالم كله أنه ما دام توفيق يحكم مصر فلن يكون هناك سلام لا لكم ولا لنا ولا لمصر كلها.

ويقول برودلي: ولقد قابلت توفيق بعدئذ وفي حديث طويل قال لي إنه كان يستطيع أن يعيش في سعادة وفي سلام لولا شيئان هما أشد ما في مصر خطرًا عليه وهما أقلام الصحفيين وألسنة النساء.

ثلاثون جنيها فقط
وبعد: كعادتها أنهت جريدة الأهرام الحديث عن محاكمة عرابي بخبر كله حقد وتشف تقول فيه على لسان مراسلها: أفيدكم أنه تعين يوم تسفير رؤساء العصابة وهو يوم 25 الشهر الجاري وأما عددهم مع الذين سيسافرون معهم من عائلاتهم فلا يتجاوز الخمسين نفسًا. وقد قبلت امرأة العرابي أن تصحب بعلها، أما امرأة البارودي فلا تزال رافضة ذلك. وهي مصممة على هذا الرفض حتى بعد سفر المستعمرين العصاة، وبلغني أن أحمد عبد الغفار اقتنع بأن يسافر مع إخوته السبعة، أما الزوابي فلا يزال رافضًا، وقيل إن عمر رحمي بك سينفى إلى محل من أنحاء مصر وليس للسودان.. وقد تقرر لكل من السبعة المنفيين ثلاثون جنيها.

انتهى...







    رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
لمحاكمة, محمد, محــاكمة زعيـممحيط, أوراق, الأسمدة, القضية, تنشر, عرابى


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
"بوابة الأهرام" تنشر "الطريق إلى الفوضى".. آخر مقال للكاتب الراحل سلامة أحمد سلامة dr moustafa المنتــدي العــام 0 12 - 07 - 2012 04:26
مواجهة "خارج القفص" بين "عز" وشاهد الإثبات فى قضية "حديد الدخيلة".. وتأجيل القضية إلى Arabeya Online الأخبار الإقتصادية العامة 0 08 - 05 - 2012 09:26
"القضاء الإداري" تطلب ملف استحواذ "عز" علي أسهم "الدخيلة" وتؤجل القضية إلي آخر أبريل Arabeya Online الأخبار الإقتصادية العامة 0 25 - 03 - 2012 14:12
"بوابة الأهرام" تنشر بنود وثيقة "الغزالي".. "رسالة التحرير إلى العالم" المقرر إعلانها dr moustafa المنتــدي العــام 0 21 - 01 - 2012 13:21
"محيط" يكشف : " سمية" وراء تلفيق حادث أبناء محمد مرسى رئيس حزب الحرية والعدالة د.محمد حسين المنتــدي العــام 2 23 - 09 - 2011 17:25


تابع جديد المجموعة المصرية للخدمات المالية علي تويتر

الساعة الآن 03:40

المجموعة المصرية للخدمات المالية | المنتديات | مركز رفع الصور والملفات والتشارت | المكتبة الإقتصادية | الشات | الجامع الإخباري  | الفوركس
البورصة المصرية | 
ترجمة النصوص والمواقع | فاتورة التليفون | القاموس الفوري | شاهد العالم بالأقمار الصناعية | البحث بالمنتديات | أخبارك

 

Preview on Feedage: منتديات المجموعة المصرية للخدمات المالية Add to My Yahoo! منتديات المجموعة المصرية للخدمات المالية Add to Google! منتديات المجموعة المصرية للخدمات المالية Add to MSN منتديات المجموعة المصرية للخدمات المالية Add to Windows Live منتديات المجموعة المصرية للخدمات المالية


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة © 2006 - 2013 للمجموعة المصرية للخدمات المالية

 

المنتديات العامة| المنتدى العام| أبواب السماء| المرأة والطفل| ذاكرة التاريخ| الأدب والشعر| عالم الرياضة| علوم وتقنية| التعارف والحوار| الإستفتاءات و إستطلاع الرأي| الأخبار الإقتصادية العامة| BBC Arabic News | اقتصاد وأعمال| Arabic CNN News | اقتصاد وأعمال|ملخص الشات اليومي| نادي المجموعة المصرية للإستثمار|إعلانات الأعضاء التجارية|الدين و الاستثمار| منتديات البورصة المصرية| النقاش العام| محفظة المجموعة| جلسة اليوم| أخبار السوق المصري| المتابعة اللحظية| أسعار نهاية اليوم| تداول سوق الصفقات| أسئلة وأجوبة| التحليل الفني| البيانات التاريخية| المؤشرات| تحليل الأسهم| توصيات| إتجاه السوق| أخبار الشركات| أخبار صحفية| الميزانيات| توزيعات نقدية| تحليل أساسي| البورصات العربية| سوق الأسهم السعودية| شركات السمسرة وخدمات التداول| شركات السمسرة| خدمات التداول| منتديات التدريب والتعليم| كورسات ومحاضرات تعليمية| المكتبة التعليمية| مقترحات التعليم| البرامج والأدوات المساعدة| منتديات الفوركس| منتدى الفوركس العام| قسم الفوركس التعليمي| المؤشرات و الاكسبيرتات وبرامج التداول| المنتديات الإدارية| الأعضاء المساهمين| الشكاوى والإقتراحات| الأرشيف|

 

1 2 3 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 54 56 57 58 59